الشيخ محمد رشيد رضا

179

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) افتتح الباب بل الكتاب كله بروايته لحديث « انما الأعمال بالنيات » ثم قال : حدثنا عبد اللّه بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي « 1 » قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس « 2 » وهو أشده علي فيفصم « 3 » عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا « 4 » فيكلمني فأعي ما يقول » قالت عائشة رضي اللّه عنها ، ولقد

--> ( 1 ) للوحي معنى عام يطلق على عدة صور من الاعلام الخفي الخاص الموافق لوضع اللغة منها الرؤيا الصادقة والنفث في الروع والالهام وإلقاء الملك ، وله معنى خاص هو أحد الأقسام الثلاثة للتكليم الإلهي الوارد في قوله تعالى ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) وهذا الحديث فيه وصف القسم الأول وذكر الثالث ، وأما الثاني وهو الكلام الإلهي من وراء حجاب بدون واسطة فقد ثبت للنبي ( ص ) في ليلة الاسراء والمعراج ولموسى عليهما الصلاة والسّلام . وغير هذه الثلاثة من الوحي العام لا يعد من كلام اللّه تعالى التشريعي ، والرؤيا الصادقة والالهام مما وقع ويقع لغير الأنبياء ( 2 ) المراد من التشبيه أنه صوت كصلصلة الحديد المتصلة المتداركة التي تسمع من الجلاجل ونحوها ليس بكلام مؤلف من الحروف والأقرب أن سببه وجود الملائكة وإن لم ير أحدا منهم في حال سماعه . وكانت هذه الحالة أشد الحالتين عليه لأنها كما قال الحكيم ابن خلدون انسلاخ من البشرية الجسمانية واتصال بالملكية الروحانية والحالة الأخرى عكسها لأنها انتقال الملك من الروحانية المحضة إلى البشرية الجسمانية ( 3 ) يفصم وزان يضرب ينفك وينجلي ( 4 ) أي يظهر بصفة رجل ومثاله ، وذلك أن الملك روح عاقل مريد له قوة التصرف في المادة فهو يأخذ من مادة الكون الصورة التي يريدها وان علم الكيمياء في هذا العصر يقرب إلى التصور هذا التصرف بما ثبت فيه من تحول كل مادة من الكثافة إلى اللطافة وما بينهما بقوة الحرارة وأقواها حرارة الكهربائية ، والملك يتصرف في الكهربائية كما يشاء ، وقد شرحنا هذا المعنى في تفسير قوله تعالى ( 7 : 143 وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ - راجع ص 162 - 167 ج 9 تفسير