الشيخ محمد رشيد رضا

178

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالحقيقة الخالدة . وهذا الدين الذي جاء به الأنبياء في كل الأزمان دين واحد ، وكلما أفسده الناس جاءهم رسول من السماء يقوم عوجهم . وقد كان الشعب العربي يومئذ في أشد تيهاء الضلال . أفما آن لرحمة اللّه أن تظهر فيهم مرة أخرى وأن تهديهم إلى الحق ؟ » « وتزايدت رغبة محمد عن الاجتماع بالناس ، ووجد في وحدة غار حراء مسرة تزداد كل يوم عمقا ، وجعل يقضي الأسابيع ومعه قليل من الزاد وروحه تزداد بالصوم والسهر والادمان على تقليب فكرته صقالا وحدة . ونسي النهار والليل والحلم واليقظة ، وجعل يقضي الساعات الطوال جاثيا في الغار ، أو مستلقيا في الشمس ، أو سائرا بخطى واسعة في طرق الصحراء الحجرية ، وكأنه يسمع الأصوات تخرج من خلال أحجارها تناديه مؤمنة برسالته « وقضى ستة أشهر في هذه الحال حتى خشي على نفسه عاقبة أمره فأسر بمخاوفه إلى خديجة فطمأنته وجعلت تحدثه بأنه الأمين وان الجن لا يمكن أن تقترب منه . وفيما هو يوما نائم بالغار جاءه ملك فقال له اقرأ ، قال « ما أنا بقاريء » وكان هذا أول الوحي وأول النبوة « وهنا تبدأ حياة حدة روحية قوية غاية القوة ، حياة تأخذ بالابصار والألباب ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه اللّه والحق والانسانية » أقول إن كل ماهنا من خبر أو جله فهو غير صحيح ، فمن أين علم هذا الافرنسي أن محمدا نسي الليل والنهار ، والحلم واليقظة ، وانه كان يقضي الساعات الطوال جاثيا في الغار أو مستلقيا في الشمس الخ وانه قضى ستة أشهر في هذه الحال - قد افترى في الاخبار ليستنبط منها انه صار صلوات اللّه عليه مغلوبا على عقله ، غائبا عن حسه . واننا ننقل هنا أصح الاخبار في خبر تحنثه في الغار الليالي ذوات العدد - من شهر رمضان في تلك السنة لا فيما قبلها - لتفنيد مفترياته وللاستغناء بها عما نقله من الخلط في صفة الوحي من الفصل الآتي - وهو ما رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما . وهذا نص رواية البخاري رضي اللّه عنه