الشيخ محمد رشيد رضا

177

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخلعاء وكل ما إلي ذلك لا شيء من الحق فيه . والأصنام المحيطة بالكعبة ليست حقا وهبل الاله الطويل الذقن الكثير العطور والملابس ليس آلها حقا « إذن فأين الحق وما هو » « وظل محمد يتردد على حراء في رمضان من كل عام سنوات متتالية وهناك كان يزداد به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لكان ينسى نفسه ، وينسى طعامه ، وينسى كل ما في الحياة ، لان هذا الذي يرى في الحياة ليس حقا . وهناك كان يقلب في صحف ذهنه كل ما وعى ، فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة وازورارا . وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشد ، بل في هذا الكون المحيط به : في السماء ونجومها وقمرها وشمسها . وفي الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألا ، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي ، وفي البحر وموجه وفي كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود وتشمله وحدة الوجود - في هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا وابتغاء إدراكها كان يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون وليخترق شغاف الحجب إلى مكنون سره قال درمنغام : فلما كانت سنة 610 أو نحوها كانت الحال النفسية التي يعانيها محمد على أشدها فقد أبهظت عاتقه العقيدة بأن أمرا جوهريا ينقصه وينقص قومه ، وان الناس نسوا هذا الامر الجوهري وتشبث كل بصنم قومه وقبيلته ، وخشي الناس الجن والأشباح والبوارح وأهملوا الحقيقة العليا ، ولعلهم لم ينكروها ولكنهم نسوها نسيانا هو موت الروح . وقد خلصت نفس محمد من كل هذه الآراء التافهة ، ومن كل القوى التي تخضع لقوة غيرها ومن كل كائن ليس مظهرا للكائن الواحد ولقد عرف ان المسيحيين في الشام ومكة لهم دين أوحي به ، وان أقواما غيرهم نزلت عليهم كلمة اللّه وانهم عرفوا الحق ووعوه أن جاءهم علم من أنبياء أوحي إليهم به ، وكلما ضل الناس بعثت السماء إليهم نبيا يهديهم إلى الصراط المستقيم ويذكرهم « تفسير القرآن الحكيم » « 23 » « الجزء الحادي عشر »