الشيخ محمد رشيد رضا

176

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان يجد فيها الوسيلة إلى ما برح شوقه يشتد اليه من نشدان المعرفة واستلهام ما في الكون من أسبابها ، فكان ينقطع كل رمضان طول الشهر في غار حراء بجبل أبي قبيس مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل اليه ليمضي أياما بالغار طويلة في التأمل والعبادة بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة » وأقول : ان روايات المحدثين تفيد انه حبب اليه التحنث في غار حراء في العام الذي جاءه فيه الوحي وكان هو يحمل الزاد وما كان أحد يحمله اليه ، وما ذكره ابن إسحاق من تعبده فيه في شهر رمضان كل سنة انما كان في زمن فترة الوحي كما سيأتي وههنا وصل درمنغام إلى آخر المقدمات التي تتصل بالنتيجة المطلوبة له فأرخى لخياله العنان ، ونزع من جواده اللجام ، ونخسه بالمهماز ، فعدابه سبحا ، وجمح به جمحا ، وقدحت حوافره له قدحا ، وأثارت له نقعا ، وأذن لشاعريته الفرنسية أن تصف محمدا عند ذلك الغار بما تحدثه في نفسه مشاهد نجوم الليل ، وما تسفعه به شمس النهار ، وما تصور أنه كان يراه في تلك القنة من الجبل من صحارى وقفار ، وخيام وآبار ، ورعاة نهش على غنمها حيث لا أشجار ، حتى ذكر البحار على بعد البحار وقد أتقن التخيل الشعري ، ولكنه لم يوافق به الوصف الموضعي ، ثم قال مصورا لما يبتغيه من مشاهداته صلّى اللّه عليه وسلّم « وهذه النجوم في ليالي صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق حتى ليحسب الانسان أنه يسمع بصيص ضوئها وكأنه نغم نار موقدة « حقا ! ان في السماء لشارات للمدركين . وفي العالم غيب بل العالم غيب كله . لكن ! ألا يكفي أن يفتح الانسان عينيه ليرى ، وأن يرهف أذنه ليسمع ؟ ليرى حقا ، وليسمع الكلم الخالد ! لكن للناس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع . . أما هو فيحسب أنه يسمع ويرى . وهل تحتاج لكي تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب خالص ونفس مخلصة وفؤاد مليء إيمانا ؟ « ومحمد في ريب من حكمة الناس فهو لا يريد أن يعرف إلا الحق الخالص الذي لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه باطل ، وهو لا يستطيع العيش إلا بالحق ، والحق ليس فيما يرى حوله ، فحياة القرشيين ليست حقا ، وربا المرابين ونهب البدو ولهو