الشيخ محمد رشيد رضا

175

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مصيبة الثكل ، ثم يستنبط من ذلك زعزعة ايمانها وايمان بعلها بعبادتها الذي كان سببه تأثير النصرانية في مكة وغيرها من بلاد العرب ، ثم ليجعل ذلك من الأسباب التحليلية لتعليل الوحي لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم - والحق أنه ما تبنى زيدا الا لأنه آثر أن يكون عبدا له على أن يكون حرا مع والده وعمه عندما جاءا مكة لافتدائه بالمال فقال لهما « ادعوه فخيروه فان اختاركم فهو لكم بغير فداء » ثم دعاه فسأله عن أبيه وعمه فعرفهما قال « فانا من قد علمت وقد رأيت صحبتي لك فاخترنى أو اخترهما » فقال زيد ما أنا بالذي أختار عليك أحدا . أنت مني بمكان الأب والعم . فقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك ؟ قال قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا . فلما رأى رسول اللّه ( ص ) ذلك أخرجه إلى الحجر فقال « اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه » فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما . فدعي زيد بن محمد حتى جاء اللّه بالاسلام . رواه ابن سعد ونحوه في سيرة ابن إسحاق هذا وان محمدا لم يكن جزوعا عند موت ولد ولا غيره بل كان أصبر الصابرين ، وان خديجة لم تيأس بموت القاسم من اللّه ان يمن عليها بولد آخر ، ولم تنحر للأصنام شيئا - وان اللات كانت صخرة في الطائف تعبدها ثقيف ولم تكن من أصنام قريش ، والعزى كانت شجرة ببطن نخلة تعبدها قريش وكنانة وغطفان ، ومناة كانت صنما في قديد لبني هلال وهذيل وخزاعة . وقد كان ما ذكره من ضعف الوثنية في ذلك العهد - وزعم أنه سببه انتشار النصرانية - جديرا بأن يمنع خديجة وهي من أعقل العرب وأسلمهم فطرة وأقربهم إلى الحنيفة ملة إبراهيم أن تهاجر إلى هذه الأصنام لتنحر لها وتتقرب إليها لترزقها غلاما ، فإن لم يمنعها عقلها وفطرتها فأجدر ببعلها المصطفى أن يمنعها من ذلك وهو عدو الوثنية والأصنام من طفولته كما يعترف درمنغام - ولكن اتباع الهوى ينسي صاحبه ما لم يكن لينساه لولاه ( 10 ) زعم درمنغام أن ما ذكره من تغلغل النصرانية في بلاد العرب أوجد فيها حالة نفسية أدت إلى زيادة إمعانهم فيما كانوا يسمونه في الجاهلية التحنث أو التحنف وفرع على ذلك قوله : « وكان محمد يجد في التحنث طمأنينة لنفسه أن كان له بالوحدة شغف ، وأن