الشيخ محمد رشيد رضا
169
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذا وان ما بينه الأستاذ الامام في اثبات وقوع الوحي لا يستطيع أحد فهمه حق الفهم وهو يؤمن بوجود اللّه العليم الحكيم الفاعل المختار الا أن يقبله ويذعن له ، فإنه بين أن الوحي والرسالة بالمعنى الذي قرره لازم عقلي لعلمه تعالى وحكمته وكونه هو ( الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) ولا يفهمه حق الفهم الا من أوتي نصيبا من علم الاجتماع وحكمة الوجود وسننه وأصول العقائد ، ونصيبا آخر من بلاغة اللغة العربية . وان نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ورسالته يمكن اثباتها بما دون هذه الفلسفة والبلاغة وهو ما قهر عقول علماء الإفرنج على تصديق دعوته ، وحمل الماديين على تصويرها بما نبسطه فيما يأتي ونقفي عليه باثبات بطلانه تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة قد فصل أميل درمنغام الشبهة التي أجملها مونتيه بما لم نر مثله لغيره من كتاب الإفرنج حتى اغتر بكلامه كثير من المسلمين ، فإن كان حكيمنا السيد جمال الدين قال لبعض مجادلي النصرانية : انكم فصلتم قميصا من رقاع العهد القديم وألبستموها للمسيح عليه السّلام - فنحن نقول لهم انكم فصلتم قميصا آخر مما فهمتم من تاريخ الاسلام لا من نصوصه وحاولتم خلعها على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وانني أشرح هذه الشبهة بأوضح مما كتبه درمنغام وما بلغني عن كل أحد منهم ، ثم أكر عليها بالنقض والدحض فأقول : ( 1 ) قالوا إن محمدا قد لقي بحيرا الراهب في مدينة بصرى بالشام ، وقالوا إنه كان نسطوريا من أتباع آريوس في التوحيد وينكر ألوهية المسيح وعقيدة التثليث وان محمدا لا بد أن يكون علم منه عقيدته ، وقالوا في بحيرا أيضا انه كان عالما فلكيا منجما وحاسبا ساحرا ، وانه كان يعتقد أن اللّه ظهر له وأنبأه بأن سيكون هاديا لآل إسماعيل إلى الدين المسيحي . بل سمعنا من بعض الرهبان انه كان معلما لمحمد ومصاحبا له بعد رسالته ، وان محمدا ما حرم الخمر إلا لأنه قتل أستاذه بحيرا وهو سكران ، وأمثال هذا من الافتراء والبهتان ، وكل ما عرفه المسلمون من رواة السيرة النبوية ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو ابن تسع سنين