الشيخ محمد رشيد رضا
170
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقيل 12 سنة رآه هذا الراهب مع قريش ورأى سحابة تظلله من الشمس وذكر لعمه انه سيكون له شأن وحذره عليه من اليهود - وفي المسألة روايات أخرى بمعناها ضعيفة الأسانيد إلا رواية للترمذي ليس فيها اسم بحيرا وفيها غلط في المتن ، وليس في شيء منها انه صلّى اللّه عليه وسلّم سمع من بحيرا شيئا من عقيدته أو دينه ( 2 ) قالوا إن ورقة بن نوفل كان من متنصرة العرب العلماء بالنصرانية وأحد أقارب خديجة - يوهمون القارئ انه صلّى اللّه عليه وسلّم اخذ عنه شيئا من علم أهل الكتاب - والذي صح من خبر ورقة هذا هو ما رواه الشيخان في الصحيحين وغيرهما من أن خديجة أخذته صلّى اللّه عليه وسلّم عقب إخباره إياها برؤية الملك في حراء إلى ورقة هذا وأخبرته خبره وكان شيخا قد عمي ولم يلبث بعد ذلك أن توفي ولم يثبت ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رآه قبل ذلك ( وسأذكر نص الحديث في آخر هذا المبحث ) وقد استقصى المحدثون والمؤرخون كل ما عرف عن ورقة هذا مما صح سنده ومما لم يصح له سند كدأبهم في كل ماله علاقة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والاسلام فلم يذكر أحد منهم انه عرف عنه دعوة إلى النصرانية أو كتابة فيها . وإنما ورد في بعضها أنه قال حين علم من خديجة خبر محمد : انه هو النبي المنتظر الذي بشر به المسيح عيسى بن مريم . وفي بعضها انه عاش حتى رأى بلالا يعذبه المشركون ليرجع عن الاسلام ولكن هذه الرواية شاذة مخالفة لحديث عائشة الصحيح انه كان عند بدء الوحي أعمى ولم ينشب أي لم يلبث أن مات ، وقد كان تعذيب بلال بعد إظهار دعوة النبوة ودخول الناس فيها وقد كان هذا بعد بدء الوحي بثلاث سنين - وأميل درمنغام قد غلط فيما نقله من خبر فترة الوحي لاختلاط الروايات عليه فيها وعدم اطلاعه على مادوّن في كتب الحديث منها . وإنما كان هم المحدثين في خبر ورقة أن يعلموا انه كان صحابيا أم لا ، فان الصحابي هو من لقي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد البعثة مؤمنا به ، ولو بلغهم عنه أي شيء من علمه بالتوراة أو الإنجيل لنقلوه ( 3 ) ذكروا ما كان من انتشار اليهودية والنصرانية في بلاد العرب قبل الاسلام وتنصر بعض فصحاء العرب وشعرائهم كقس بن ساعدة الايادي وأمية بن أبي الصلت وإشادة هؤلاء بما كانوا يسمعون من علماء أهل الكتاب عن قرب ظهور النبي الذي بشر به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء . وقد نشرنا بعض ما نقل عنهم في