الشيخ محمد رشيد رضا
168
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
النبوة وأين أثرها من أثر النبوة ؟ إن الأمم التي ارتقت بما أرشدها اليه تعليم الوحي انما ارتقت بطبيعة ذلك التعليم وتأثيره ، وان فرنسا لم ترتق بارشاد ( جان درك ) وتعليمها ، وانما مثلها مثل قائد انتصر في واقعة فاصلة بشجاعته وبأسباب أخرى ليست من صنعه ، واستولت أمته بسبب ذلك على بلاد رقتها بعلوم علماتها وحكمة حكمائها وصنع صناعها ، ولم يكن القائد يعرف من ذلك شيئا ولم يرشد اليه ، فلا يقال إن ذلك القائد هو الذي أصلح تلك البلاد ، وعمرها ومدنها ، وإن عد سببا بعيدا فهو شبيه بالسبب الطبيعي ، كهبوب ريح تهيج البحر فيغرق الأسطول وتنتصر الأمة أين حال تلك الفتاة التي كانت كبارقة خفت ( أي ظهرت وأو مضت ) ثم خفيت ، وصيحة علت ولم تلبث أن خفتت ، من حال شمس النبوة المحمدية التي أشرقت فأنارت الأرجاء ، ولا يزال نورها وان يزال متألق السناء ، أمي يتيم قضى سن الصبا وسن الشباب هادئا ساكنا لا يعرف عنه علم ولا تخيل ، ولا وهم ديني ، ولا شعر ولا خطابة ، ثم صاح على رأس الأربعين بالعالم كله صيحة « انكم على ضلال مبين ، فاتبعون أهدكم الصراط المستقيم » فأصلح وهو الاميّ أديان البشر عقائدها وآدابها وشرائعها ، وقلب نظام الأرض فدخلت بتعليمه في طور جديد ؟ لا جرم أن الفرق بين الحالين عظيم إذا أمعن النظر فيه العاقل لاسعة في جواب سؤال لتقرير الدليل على النبوة وإنما أحيل السائل على التأمل في بقية بحث النبوة في رسالة التوحيد ومراجعة ما كتبناه أيضا من الأمالي الدينية في المنار لا سيما الدرس الذي عنوانه ( الآيات البينات ، على صدق النبوات ) وان كان يصدق على رسالة التوحيد المثل « كل الصيد في جوف الفرا » فان بقي عنده شبهة فالأولى أن يتفضل بزيارتنا لأجل المذاكرة الشفاهية في الموضوع ، فان المشافهة أقوى بيانا ، وأنصع برهانا ، ونحن نعاهده بأن نكتم أمره وإن أبى فليكتب الينا ما يظر له من الشبهة على ما في الرسالة والأمالي من الاستدلال على وقوع النبوة بالفعل ، وعند ذلك نسهب في الجواب بما نرجو أن يكون مقنعا ، على أن المشافهة أولى كما هو معقول وكما ثبت لنا بالتجربة مع كثير من المشتبهين والمرتابين اه