الشيخ محمد رشيد رضا
151
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومنها ما ظهر خلافه كما أشار اليه ولم يشرحه ولكن التاريخ شرحه . وكان أعظم نبوات هؤلاء الأنبياء إخبارهم عن المسيح ( مسيا ) وملك إسرائيل ثم اخبار المسيح نفسه عن خراب العالم ومجيء الملكوت لأجل دينونية العالم وانه لا ينقضي الجيل الذي خاطبه حتى يكون ذلك كله . وقد مر أجيال كثيرة ولم يكن من ذلك شيء امتياز نبوة محمد على نبوة من قبله فأنى تضاهيء هذه الأخبار ( النبوات ) وهي كما علمت أنباء القرآن الكثيرة بالمغيبات كالذي بيناه في خلاصة تفسير السورة السابقة مما وقع من المنافقين وما هو في سورة الفتح . وقوله تعالى في أول سورة الروم ( غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) الآية ، وقوله ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) وأين هي من إنباء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه بأنهم سيفتحون بعده بلاد الشام وبلاد الفرس ومصر وسيتولون على ملك كسرى وقيصر حتى أنه سمى كسرى عصره باسمه كما رواه البخاري عن عدي بن حاتم الخ ؟ هذا ما يقال بالاجمال في أحد موضوعي النبوة وهو الاخبار عما سيكون في مستقبل الزمان ، فما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منها في وحي القرآن وغيره أظهر وأوضح وأبعد عن احتمال التأويل ، وأعصى على إنكار المرتابين ، ويزيد عليه ما جاء به من أنباء الغيب الماضية ، وسأذكر ما يتأوله به الجاحدون للنبوة والوحي في بيان بطلان شبهتهم وأما الموضوع الثاني للنبوة وهو الأهم الأعظم أي عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه فالنظر فيه من وجهين ( أحدهما ) ما ذكروه من كونه لا يمكن أن يصل اليه عقل من جاء به وفكره ولا علومه ومعارفه الكسبية فيتعين أن يكون بوحي من اللّه ( وثانيهما ) أن يكون ما فيه من هداية الناس وصلاح أمورهم في دينهم ودنياهم أعلى في نفسه من معارف البشر في عصره ، فيتعين أن يكون وحيا فأما الأول الخاص بشخص الرسول فان العاقل المستقل المفكر إذا عرف تاريخ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتاريخ أنبياء بني إسرائيل عليهم السّلام فإنه يرى أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد نشأ أميا لم يتعلم القراءة ولا الكتابة ، وان قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة ، حتى إن مكة عاصمة بلادهم ، وقاعدة