الشيخ محمد رشيد رضا

152

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دينهم ، ومثوى كبرائهم ورؤسائهم ، ومثابة الشعوب والقبائل للحج والتجارة فيها ، والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة في أسواقها التابعة لها ، لم يكن يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط ، فما جاء به من الدين التام الكامل ، والشرع العام العادل ، لا يمكن ان يكون مكتسبا ولا ان يكون مستنبطا بعقله وفكره كما بيناه من قبل ، وسندفع ما يرد من الشبهة عليه في القسم الثاني من هذا الفصل ويرى تجاه هذا أن موسى أعظم أولئك الأنبياء في عمله وفي شريعته وفي هدايته قد نشأ في أعظم بيوت الملك لأعظم شعب في الأرض وأرقاه تشريعا وعلما وحكمة وفنا وصناعة ، وهو بيت فرعون مصر ، ورأى قومه في حكم هذا الملك القوي القاهر مستعبدين مستذلين ، تذبح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم ، تمهيدا لفنائهم ومحوهم من الأرض ، ثم إنه مكث بضع سنين عند حميه في مدين وكان نبيا - أو كاهنا كما يقولون - فمن ثم يرى منكر والوحي ان ما جاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة ، ناشىء في بيت الملك والتشريع والحكمة الخ ثم ظهر في أوائل هذا القرن الميلادي ان شريعة التوراة موافقة في أكثر أحكامها لشريعة حمورابي العربي ملك الكلدان الذي كان قبل موسى وقد قال الذين عثروا على هذه الشريعة من علماء الا لمان في حفائر العراق انه قد تبين أن شريعة موسى مستمدة منها لا وحي من اللّه تعالى كما شرحنا ذلك في مجلد المنار السادس وذكرنا خلاصته في تفسير سورة التوبة ( 9 : 30 ) وهو في [ ص 348 ج 10 ] وأقل ما يقوله مستقل الفكر في ذلك أنه ان لم تكن التوراة مستمدة منها فلا تعد أحق منها بأن تكون وحيا من اللّه تعالى ، ولم ينقل ان حمورابي ادعى ان شريعته وحي من اللّه تعالى ثم يري الناظر سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعبدين بها ، وانهم كانوا يتدارسون تفسيرها في مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى ، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمد ، ويرى أيضا أن يوحنا المعمدان الذي شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع ولا بنبأ غيبي - بل يرى أن عيسى عليه السّلام وهو أعظمهم قدرا وأعلاهم ذكرا ، وأجلهم أثرا ، لم يأت بشريعة جديدة بل كان تابعا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها ، وإصلاح روحي أدبي لجمود اليهود المادي على ظواهر ألفاظها ، فأمكن لجاحدي الوحي أن يقولوا انه لا يكثر على رجل مثله زكي