الشيخ محمد رشيد رضا

150

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والوجدان ، ويثير روا كد الخيال ، فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل ( ارتحششتا ) ومغنين له ، وان يكونا قد استعانا بتأثير غنائهما في نفسه على سماحه لهما بالعودة بقومهما إلى وطنهما وإقامة دينهما فيه فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها في المدارس ويستعان على الاقناع بها بالتخييلات الشعرية والالهامات الكلامية ، والمؤثرات الغنائية والموسيقية . والمعلومات المكتسبة . فأين هي من نبوة محمد الأمي الذي لم يتعلم شيئا ولم يقل شعرا ، وقد جاء بأعظم مما جاءوا به كلهم ؟ « 2 » ان كثيرا من هؤلاء الأنبياء وأولادهم كانوا متنسكين أو طوافين على الناس يعيشون ضيوفا عند الأتقياء المحبين لرجال الدين كما هو المعهود من دراويش المتصوفة أهل الطرق في المسلمين ، ومن المعلوم أن هؤلاء هم الذين يقبلون من رجال التنسك كل ما يقونون ، ويسلمون لهم ما يدعون ، ويذيعون عنهم كل ما يقبلون منهم ، ومن غير هؤلاء الكثيرين من الأنبياء من نقلت عنهم كتبهم للقدسة بعض كبائر المعاصي ، وان من أخبار الصوفية والنساك والسياح عند المسلمين من تفضل سيرتهم سيرة هؤلاء الأنبياء في كتبهم ، فكيف يصح أن يرتفع أحد منهم إلى درجة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في نشأته الفطرية ومعيشته من كسبه ، وكونه لم يكن عالة على الناس في شيء قبل النبوة ولا بعدها « 3 » أشهر أنواع نبوتهم الأحلام والرؤى المنامية والتخيلات المبهمة وكلها تقع لغيرهم ، وقد كانت الرؤيا الصادقة مبدأ نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قبل وحي التشريع الذي كان له صور أعلى منها سنبينها بعد . والرؤى صور حسية في الخيال تذهب الآراء والافكار في تعبيرها مذاهب شتى قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التي عبرها يوسف عليه السّلام ، ورؤياه هو في صغره « 4 » ان نبوة الاخبار عن الأمور المستقبلة وهي التي يستدلون بها على كونهم مخبرين عن اللّه تعالى كانت أحيانا كثيرة بدون تميز أزمنتها ولا حوادثها فكان بعضها يختلط ببعض فلا يكاد يظهر المراد منها إلا بعد حملها على شيء واضح بعد وقوعه كما يعهد في كل عصر من أخبار العرافين والمنجمين ، بله الروحانيين المكاشفين ،