الشيخ محمد رشيد رضا
145
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالمبين الظاهر يفيد الحصر كقول الوليد ( إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) يعني القرآن . وسموه سحرا لأنه خارق للعادة بقوة تأثيره في القلوب وجذبه للنفوس إلى الايمان وحملها على احتقار الحياة ولذاتها في سبيل اللّه ، حتى أنه يفرق بين المرء وأخيه ، وأمه وأبيه ، وزوجه وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه ، وتمنعه وتحميه . وانما السحر ما كان بأسباب خفية خاصة ببعض الناس يتعلمها بعضهم من بعض ، وهي إما حيل وشعوذة ، وإما خواص طبيعية علمية مجهولة للجماهير ، واما تأثير قوى النفس وتوجيه الإرادة . وكلها من الأمور المشتركة بين الكثيرين من العارفين بها « 1 » وقد استبان لعامة العرب ثم لغيرهم من شعوب العجم أن القرآن ليس بسحر يؤثر بالتعليم والصناعة ، بل هو مجموعة علوم عالية في العقائد والآداب والتشريع والاجتماع مرقية للعقول ، مزكية للأنفس ، مصلحة للناس ، وانه معجز للبشر في أسلوبه ونظمه ومعانيه وهدايته وتشريعه وإخباره بالغيب « 2 » وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم مبلغ له ، ولم يكن ليقدر على شيء منه ، وقد عجز عنه غيره ، فثبت انه نبي اللّه ورسوله ، وان ما جاء به وحي منه تعالى . وقد بينا حقيقة الوحي لغة وشرعا وإثباته لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في مواضع منها ما في بحث دلالة القرآن على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في ( ص 216 - 224 ج 1 تفسير ) ومنها تفسير ( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ ) الآية وهو في ( ص 67 ج 6 تفسير ) ومنها رد شبهات الكفار عليه في سورة الأنعام ( ص 309 - 320 ج 7 تفسير ) ومنها في خلاصتها ( ص 274 - 280 ج 8 ) ومنها تحقيق القول في مسألة الكلام الإلهي بمناسبة تكليم اللّه لموسى عليه السّلام ( ص 178 - 191 ج 9 ) وبقي علينا بسط القول في نبوة محمد مع مثبتي الوحي ونفاته ، وشبهة النفاة لعالم الغيب عليها وتصويرهم للوحي اليه بغير صورته ، فنعقد له الفصل التالي :
--> ( 1 ) راجع حقيقة السحر في ص 399 - 405 ج 1 تفسير ( 2 ) راجع إعجاز القرآن ص 190 - 215 ج 1 تفسير