الشيخ محمد رشيد رضا

144

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخاص لامرىء بما يخفى على غيره - اي أكان إيحاؤنا إلى رجل من الناس أمرا نكرا اتخذوه أعجوبة بينهم يتفكهون باستغرابها ؟ كأن مشاركتهم له في البشرية يمنع اختصاص اللّه إياه بما شاء من العلم . والمراد بالناس كفار مكة ومن تبعهم في إنكار نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعبر عنهم بالناس لأن هذه الشبهة على الرسالة قد سبقتهم إليها أقوام الأنبياء قبله كما تقدم في قصة نوح وهود من سورة الأعراف ( 7 : 62 و 68 أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ؟ ) وهذا المعنى مكرر في القرآن وقد دحضنا هذه الشبهة في آخر تفسير سورة الأنعام « 1 » أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ « أن » هذه مفسرة لما قبلها ، والانذار الاعلام بالتوحيد والبعث وسائر مقاصد الدين المقترن بالتخويف من عاقبة الكفر والمعاصي ، أي أوحينا اليه بأن أنذر الناس كافة وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ التبشير مقابل الانذار ، أي الاعلام المقترن بالبشارة بحسن الجزاء على الايمان والعمل الصالح . والمعنى وبشر الذين آمنوا منهم خاصة بأن لهم قدم صدق عند ربهم يجزيهم به في الآخرة - والصدق في أصل اللغة ضد الكذب ثم أطلق على الايمان وصدق النية والوفاء وسائر مواقف الفضائل ، ومنه في التنزيل : مقعد صدق ، ومدخل صدق ، ومخرج صدق ، وقدم صدق . والقدم ههنا السابقة والتقدم . قال البيضاوي : سابقة ومنزلة رفيعة سميت قدما لان السبق بها كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد ، وإضافتها إلى الصدق لتحققها ، والتنبيه على أنهم انما ينالونها بصدق القول والنية قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قرأ ابن كثير والكوفيون ( لَساحِرٌ ) يعنون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والباقون ( لسحر ) ويعنون به القرآن ، وكلا من القولين قد قالوا ، وكل من القولين يشير إلى إثبات رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم فان قولهم ان القرآن سحر جاء به ساحر يتضمن اعترافهم بأنهما فوق المعهود والمعلوم للبشر في عالم الأسباب المقدورة لهم . وتأكيد قولهم بالجملة الاسمية وإن واللام وبوصف السحر أو الساحر

--> ( 1 ) راجع ص 278 ج 8 تفسير