الشيخ محمد رشيد رضا

142

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقوله في سورتي النحل والأنبياء ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * ووجه مناسبتها لما قبلها أن تلك ختمت بذكر رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهذه افتتحت بها ، وان جل تلك في بيان أحوال المنافقين ومنه ما كانوا يقولونه وما كانوا يفعلونه عند نزول القرآن كالآيات 124 - 127 وهذه في أحوال الكفار ومنها ما كانوا يقولونه في القرآن كالآيات 15 و 16 و 17 و 37 - 40 . واعلم أن التناسب الذي يوجد بين السور ليس سببا في هذا الترتيب الذي بينها ، فرب سورتين بينهما أقوى التناسب في موضوع الآيات ومسائلها يفصل بينهما تارة ويجمع بينهما أخرى فمن الأول الفصل بين سورتي الهمزة واللهب وموضوعهما واحد . والفصل بين السور المبدوءة بالتسبيح بسورة المنافقين . ويقابلها من الوجه الثاني الوصل بين سور الطواسين وسور آل حاميم وبين سورتي المرسلات والنبأ وسورتي التكوير والانفطار ، وربما يقال إن التناسب بين أكثر السور المكية أقوى منه بينها وبين السور المدنية ومن حكمة الفصل بين القوية التناسب في المعاني كالمكية التي موضوع أكثرها العقائد والأصول العامة والزواجر الصادعة والمدنية التي موضوع أكثرها الاحكام العملية أنه أدنى إلى تنشيط تالي القرآن بالترتيب وأنأى به عن الملل ، وأدعى له إلى التدبر ، فهذه الحكمة تشبه حكمة تفريق مقاصد القرآن في السورة الواحدة من عقائد وقواعد ، وأحكام عملية ، وحكم أدبية ، وترغيب وترهيب ، وبشارات ونذر ، وأمثال وقصص ، والعمدة في كل ذلك التوقيف والاتباع وهاء ندا أشرع في تفسير السورة ملتزما فيها القصد والاختصار في كل ما سبق له بيان مفصل في تفسير السور السابقة ولا سيما السورتين المكيتين من السور الطول : الانعام والأعراف : وإنما أبسط القول فيما لم أبسطه فيه تمام البسط من قبل ، وأهمه في هذه السورة مسألة الوحي