الشيخ محمد رشيد رضا
140
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عند حد حرية غيره ، ولا سيما احترام عقائد الملة التي يعيش في ظل شريعتها ، وسائر شعائرها وعباداتها وليعلم القارئ أن كثيرا من الفقهاء قد أسرفوا في أبواب الردة في المسائل التي يحكم فيها بالكفر المخرج من الملة ، وبنوا كثيرا منه على اللوازم البعيدة ، والمحتملة للتأويلات القريبة ، وما ورد في صفات المنافقين في هذه السورة حجة عليهم ، وان قال بعض العلماء المتقدمين : إن ما كان في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفاقا لا ينافي ظاهر الاسلام ، هو الآن كفر محض لا تقبل معه دعوى الايمان ، فهذا قول باطل ، فكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم هما الحجة في الدين ، والاهتداء بهما هو الواجب إلى يوم الدين ، فيجب قبول قول كل من أظهر الاسلام ولم يصرح بما ينافيه بما لا يحتمل التأويل ، ومما يحتمل التأويل احتمالا ظاهرا جميع المباحث العلمية المخالفة لظواهر النصوص كما هو مقرر في الأصول . 3 - ان من ظهر منه شيء من أمارات النفاق العملي في الدين ، أو الخيانة للأمة والملة بما هو غير صريح ، مما لا يعاقب عليه في الشرع بحد ولا تعزير ، فلو لي الامر أن يعظه بالتعريض ، ثم بالتصريح والتكشيف ، وله أن يعاقبه بما يرجى أن يزعه عن غيه من التأديب ، كالحرمان من مظاهر التشريف ، أو الازورار والتقطيب ، أو التأنيب والتعنيف ، كما بيناه في تفسير ( 73 جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) ومنه حرمان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للذين تخلفوا عن غزوة تبوك من الخروج معه إلى غزوة أخرى بقول اللّه تعالى ( 83 فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ) الآية . ولكن الملوك المستبدين يقربون إليهم المنافقين فيزيدونهم فسادا ، ويجرؤن غيرهم بل يرغبونه في النفاق وخيانة الأمة جهارا ، حتى إن المناصب الدينية المحضة صارت تنال بالنفاق ، ويذاد عنها أهل الصدق والاخلاص ، وإلى اللّه المشتكى ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم انتهى بيان ما فتح اللّه به علينا من خلاصة هذه السورة ) ( وكتب في أوقات متقطعة في سنة عشرة شديدة ) ( وتم في ذي الحجة سنة 1350 )