الشيخ محمد رشيد رضا
139
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
النص الصريح أمران [ أحدهما ] أن الآيات في قصتهم قد بدئت بما يحتمل أن يكون ذكرهم فيها معطوفا على الذين أرجأ اللّه البت في أمرهم وجعل التوبة عليهم مرجوة وهو قوله تعالى ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) والثاني ختم قصتهم بقوله تعالى ( لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) فيظهر في معنى تقطع قلوبهم احتمال هو أحد الأقوال في تفسيره ، وهو تقطعها من الأسف والحزن على ما فرط منهم ، ووقوع هذا الاستثناء محتمل ، وإذا يكون أقوى الأدلة على توبتهم وأصدقها ، ويكفي الاحتمال لمنع الحكم عليهم بالكفر وجملة القول في هذا الباب ان سياسة الاسلام في المنافقين أن يعاملوا بحسب ظواهرهم وما يبدو من أعمالهم ، وان للامام الأعظم أو عليه - ومثله نوابه من أولياء الأمور - أن يعرّض في الخطب العامة والتصريحات الرسمية بتقبيح ما يعلم من سوء أعمالهم والانذار بسوء عواقبها ليعدهم للتوبة منها ، أو الحذر من إظهار ما يضمرونه من الشر الذي يترتب عليه العقاب . وتتضمن هذه السياسة الأصول الآتية ( الأصول الثلاثة في حرية الدين ، ومعاملة المنافقين ) 1 - ان حرية الاعتقاد والوجدان مرعية لا سيطرة عليها للرؤساء الحاكمين ، ولا للمعلمين والمرشدين ، وانما لهؤلاء حق في التربية والتعليم ، فليس لأحد أن يتهم إنسانا باضمار الكفر ولا بنية الخيانة لملته أو دولته ، ولا بإرادة السوء لقومه وأمته ، ولا أن يعاقبه على ذلك بعقاب بدني ولا مالي ، ولا بحرمانه من الحقوق التي يتمتع بها غيره من أفراد الأمة 2 - انه ليس لمن يضمر الكفر باللّه أو بما جاءت به رسله أن يكون فتنة للناس باظهار ذلك لهم ودعوتهم اليه ، أو الطعن في عقائدهم ، أو إظهار ما ينافيها من قول أو عمل ، وان لم يكن دعوة ولا طعنا ، فان فعل ذلك وكان يدعي الاسلام يحكم بارتداده وخروجه من الملة ، إن كان ما أظهره من الكفر صريحا قطعيا مجمعا عليه لا يحتمل التأويل ، ويترتب عليه ما هو مقرر في الشرع من استتابته وعقابه إن لم يتب ( ومنه منع التوارث بينه وبين المسلمين وفسخ نكاحه بالمسلمات ، وعدم تشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ) لان حرية كل أحد في اعتقاده تقف