الشيخ محمد رشيد رضا

134

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عنه ويحببه اليه ولا سيما الحكام وأصحاب الجاه والمناصب والثراء الذين يرجى الانتفاع منهم أو يخشى ضرهم . فهو يلبس للصالحين منهم لباس التقوى والصلاح ، وبخلع للفساق جلباب الحياء ، ويفرغ على المستكبرين حلل الاطراء ، وهو أهون النفاقين واما النفاق العام فهو ما يكون في الدين والدولة ، وخيانة الأمة والملة ، وما وجد النفاق في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الا بعد الهجرة ، لما صار للاسلام قوة ودولة ، إذ اسلم أكثر الأنصار بظهور نور هذا الدين القويم لهم ، ولم يكن لهم مصلحة دنيوية تحجب هذا النور عن بصائرهم ، أو تحملهم على مكابرة الحق وجحوده ، ككبراء قريش المغرورين بثروتهم الواسعة ، وجاههم في العرب بسدانة البيت الحرام ، واستكبارهم على سائر الناس ، واسرافهم في التمتع بالسكر والزنا واكل الربا والشهوات ، فكانوا يرون أن الاسلام يساوى بينهم وبين سائر الناس في جميع الحقوق ، ويفضل الفقير المتقي للّه تعالى على الغنى المسرف في الفسوق ، ويقتص للسوقة من الامراء والملوك ، ويحقر المتكبرين ، ويكرم المتواضعين . ويزدري الظالمين والفاسقين ، فيسلبهم بهذا جميع ما يمتازون به على دهماء الناس . ولهذا كان أكثر من اهتدى به في مكة الفقراء وبعض أصحاب الفطرة السليمة والعقول الحرة من الطبقة الوسطى وكان أعلاهم فطرة وأزكاهم نفسا أبو بكر الصديق وسائر العشرة الكرام المبشرين بالجنة آمن بعض الأوس والخزرج أولا بلقاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في موسم الحج ودعوا قومهم إلى الاسلام بعد عودتهم إلى المدينة فصادفت دعوتهم رواجا لقوة المقتضي وهو التوحيد وفضائل الاسلام ، فلما كثروا هاجر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم إذ عاهده نقباؤهم في منى على نصره ومنعه ( اي حمايته والذب عنه ) مما يمنعون أنفسهم وأهليهم ، ومن المعقول ان يكون نور الاسلام لم يظهر لكل فرد منهم على سواء ، وان يكون منهم من اضطر إلى الدخول فيما دخل فيه قومهم مواتاة لهم ، مع عدم وجود نظام لديانتهم الوثنية يرتبط به بعضهم ببعض فيقيمونه ويذبون عنه ، فكان منافقو المدينة من هؤلاء وممن حولهم من قبائل الاعراب الذين لم يعقلوا الاسلام ، كاسد وغطفان .