الشيخ محمد رشيد رضا

135

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكان هنالك يهود كثيرون يقيم أكثرهم في حصون لهم بالقرب من المدينة كبني قريظة وبني النضير ، وقد عاهدهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على حريتهم في دينهم وأنفسهم وأموالهم ، ولكنهم كانوا ينقضون عهده ويظاهرون عليه المشركين كلما جاؤوا لقتاله ، بل كانوا يغرونهم ويحرضونهم عليه ، فكانوا في اظهار الوفاء بعهده منافقين ، وكان لهم احلاف من عرب المدينة محافظ على مودتهم منافقوها بالسر كما بينا ذلك كله في محله فكانت سياسة الاسلام في الفريقين أن من اظهر الاسلام يعامل كما يعامل سائر المسلمين ، لان قاعدة الاسلام ان الحكم على الظواهر ، وان اللّه تعالى وحده هو الذي يحاسب ويعاقب على السرائر ، وأن من حافظ على الوفاء بعهده من أهل الكتاب يوفى له ، وكان اليهود ينقضون عهدهم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سرا ، فإذا ظهر شيء من خيانتهم وغدرهم اعتذروا عنه ، حتى إذا ما افتضح امرهم حاربهم صلّى اللّه عليه وسلّم وأجلاهم عن البلاد ، كما ترى في تفسير الآيات 55 - 58 من سورة الأنفال ( ص 48 - 60 ج 10 ) وقد قص اللّه علينا في سورة الحشر ما كان بين اليهود والمنافقين من الإخاء والولاء وانه لا خير فيه لاحد منهما على أن اليهود ظاهروا المشركين على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن المنافقين لم يفوا لليهود بما وعدوهم به من نصرهم إذا هم اظهروا عداوتهم لان المنافق القح دون المتدين الكافر همة وشرفا وخلقا . قال تعالى ( 59 : 11 أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً ، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ 12 لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) كان سبب معاهدة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود واقراره إياهم على دينهم ان الاسلام دين حرية وعدل ، ودعوته قائمة على البرهان والحجة ، ولذلك منع المسلمين من أخذ أولادهم الذين تهودوا وانضموا إلى اليهود بالقوة ، وأمرهم بأن يخيروهم إذ نزل فيهم قوله تعالى ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )