الشيخ محمد رشيد رضا
131
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
خبر اللّه ووعيده له ، فهو قد مات بعد وقعة بدر التي ساعد عليها بماله ، آسفا لعجزه عن الخروج إليها بنفسه ، فذاق وبال امره بخذلان اقرانه من صناديد قريش ورؤوس الشرك ، وخسران ماله الذي أنفقه فيها مصداقا لقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) ورأي بمصداقها مبادئ عز الاسلام ونصره . مات بعدها بأيام قليلة بالعدسة شر ميتة ، وترك ميتا حتى أنتن ، ثم استؤجر بعض السودان حتى دفنوه . وكان فجع بعد نزول السورة بولده عتبة الذي كان يعتز به ، افترسه أسد في طريق الشام ، ولو أسلم كما أسلم أخوه وثانيه في جمع المال ( العباس رضي اللّه عنه ) لرأى مثل ما رأى هو وذريته من عز الاسلام ، وصدق ابن أخيه عليه أفضل الصلاة والسّلام ، في وعده لهم بأن كلمة « لا إله إلا اللّه » تجمع عليهم العرب ، وتدين لهم بها العجم . ذكرت هذا التنبيه الطويل لبيان غلط بعض العلماء في قولهم إن القرآن اشتمل على سبهم وسب آلهتهم ، وتفنيدا لما يهدي به بعض ملاحدة الكتاب في المقارنة بين أدبه والأدب الجاهلي . وما روي من قول رؤوس المشركين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقد سببت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة - فذكر السب والشتم فيه مبالغة في الانكار على أنه مرسل ضعيف السند وفيه رجل مبهم . وهاك ما وصف اللّه تعالى به أعداءه وأعداء رسوله والمؤمنين من هؤلاء المنافقين والكافرين في هذه السورة وهو أشده . ( شواهد ذم القرآن النزيه للكفار والمنافقين ) ( 1 - 4 ) وصف المشركين في الآيات ( 8 و 9 و 10 ) بأنهم لا يرقبون ولا يراعون في أحد من المؤمنين إلا ولا وذمة ، حتى قطعوا أرحامهم بهم خلافا لعادتهم في عصبية النسب ، وانهم يصدون عن سبيل اللّه ، وأن أكثرهم فاسقون وأنهم هم المعتدون . ( 5 ) قوله تعالى في منعهم عن عمارة المسجد الحرام وغيره ومن التعبد فيه ( 17 ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ )