الشيخ محمد رشيد رضا

112

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

[ الثالثة ] وصفه في آية 103 بتطهير المؤمنين وتزكيتهم بما يأخذه منهم من الصدقات . وذلك أنه صلوات اللّه وسلامه عليه لم يكن مثله في تبليغه لفرض الصدقات والنفقات ، وفي أخذه لها وقسمتها على مستحقيها كمثل الملوك والحكام الذين يجعلون المفروض على الناس من الأموال أتاوات وضرائب قهرية يؤدونها كما يؤدون سائر المغارم ، ويعتقدون أنها تنفق بحسب أهواء الملوك والحكام ، ويكون لهم منها أكبر نصيب بغير استحقاق ، وإنما كان صلّى اللّه عليه وسلّم يبين للمؤمنين حكمة ما فرضه اللّه تعالى عليهم ، وان فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة لهم في أفرادهم وجماعتهم ، وكان يقسمه بين مستحقيه بالعدل ، ويحرم باذن اللّه على نفسه وعلى أهل بيته أخذ شيء منه ، فبهذا وذاك أسند اللّه تعالى اليه فعل التطهير والتزكية لهم ، وهو داخل في حكمة بعثته في قوله [ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ] * وتجد التفصيل في تفسير الآية [ ص 24 ج 11 ] [ الرابعة ] وصف دعائه للمتصدقين بعد ما ذكر بأنه سكن لهم تطمئن به قلوبهم ، وترتاح إليه أنفسهم ، ويثقون بقبول اللّه لصدقاتهم ، ونقول إن كل مؤمن متصدق مخلص يناله حظ من دعائه صلّى اللّه عليه وسلّم للمتصدقين إلى يوم القيامة ، ولكن لم يرد في القرآن ولا في السنة ولا في سيرة الصحابة والتابعين ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يطلب منه بعد وفاته الدعاء لأحد [ الخامسة ] وصفه تعالى إياه بما امتن به على قومه من قوله في خاتمة السورة [ 128 لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ] فاثبت له شدة الحب لهم والحرص على هدايتهم وسعادتهم ، وانه يعز ويشق عليه أن يصيبهم العنت والارهاق في دينهم أو دنياهم [ السادسة ] وصفه بعد ما تقدم بقوله [ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ] وهاتان الصفتان من أعظم صفات الربوبية غير الخاصة باللّه عز وجل الا في كمالهما ، ورأفته ورحمته صلّى اللّه عليه وسلّم بالمؤمنين غير ارسال اللّه تعالى إياه رحمة لهم خاصة ، وغير ارساله رحمة للناس كافة ، فان رحمته بهم من صفات نفسه الشريفة القدسية التي ظهر أثرها في سياسته ومعاشرته لهم ، وتأديبه إياهم ، وتنفيذ حكم اللّه تعالى فيهم ، كما ترى في هذه