الشيخ محمد رشيد رضا

6

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وجه الغلبة والقهر قال ولا يقتضي في اللغة هذا التخصيص ولكن عرف الشرع قيد هذا اللفظ بهذا النوع . وقد ادعى ابن عبد البر الاجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر وقيل إنها ( يعني آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) محكمة غير منسوخة وان الغنيمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليست مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة حكاه الماوردي عن كثير من المالكية قالوا وللامام أن يخرجها عنهم . واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين . وكان أبو عبيدة يقول : افتتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة عنوة ومنّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا « وقد حكى الاجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي . والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين كثيرة جدا قال القرطبي ولم يقل أحد فيما أعلم إن قوله تعالى ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) الآية ناسخ لقوله ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) الآية . بل قال الجمهور ان قوله ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف والتبديل لكتاب اللّه . وأما قصة مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها ( قال ) وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بيوتكم ؟ » كما في مسلم وغيره . وليس لغيره أن يقول هذا القول بل ذلك خاص به اه . والتحقيق أن مكة فتحت عنوة وانه صلّى اللّه عليه وسلّم أعتق أهلها فقال « أنتم الطلقاء » وان الأرض التي تفتح عنوة لا يجب قسمها كالغنائم المنقولة بل يعمل الامام فيها بما يرى فيه المصلحة دع ما ميز اللّه به مكة على سائر بقاع الأرض ببيته وشعائر دينه حتى قيل إنها لا تملك . وجملة القول انه ليس بين الآيتين تعارض يتفصّى منه بالنسخ فالأولى ناطقة بان الأنفال للّه يحكم فيها بحكمه وللرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ينفذ حكمه تعالى بالبيان والعمل والاجتهاد . والثانية ناطقة بوجوب أخذ خمس الغنائم وتقسيمه على من ذكر فيها . فهي إذا مبينة لاجمال الأولى ومفسرة لها لا ناسخة