الشيخ محمد رشيد رضا
21
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولكنه ناط كل شيء بسبب ، وخلق كل شيء بقدر ، حتى أن بعض آياته لرسله وتوفيقه لمن شا من عباده يكونان بتسخير الأسباب لهم وموافقة اجتهادهم وكسبهم لسننه تعالى في الفوز والفلاح ، كما أن بعض الآيات يكون بأسباب غيبية كتأييد الملائكة وتثبيتهم أو بغير سبب * * * ( 45 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 46 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * * * قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا هو النداء الإلهي السادس للمؤمنين في هذه السورة وهو في إرشادهم إلى القوة المعنوية للمقاتلين التي هي السبب الغالب للنصر والظفر . والفئة الجماعة وغلبت في جماعة المقاتلين والحماة الناصرين ، ولم يستعمل في التنزيل إلا بهذا المعنى حتى قوله تعالى في سورة النساء ( 4 : 87 فما لكم في المنافقين فئتين ) فان المختلفين في شأنهم منهم من كان يقول بوجوب قتالهم لظهور نفاقهم وبقائهم على شركهم ومنهم من يقول بضده فهي في موضوع القتال . ومنه قوله تعالى في سورة الكهف ( فَما لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ومثله في سورة القصص . واللقاء يكثر استعماله في لقاء القتال أيضا حتى قال الزمخشري انه غالب فيه وتبعه كثيرون - وكون اللقاء هنا لفئة يعين هذا المعنى الغالب وببطل احتمال إرادة غيره والمعنى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة من أعدائكم الكفار وكذا البغاة في القتال فاثبتوا لهم ولا تفروا من أمامهم - ولم يصف الفئة للعلم بوصفها من قرينة الحال وهي أن المؤمنين لا يقاتلون إلا الكفار أو البغاة - فان الثبات قوة معنوية طالما كانت هي السبب الأخير للنصر والغلب بين الافراد أو الجيوش : يتصارع الرجلان الجلدان فيعيا كل منهما وتضعف منته ويتوقع في كل لحظة أن يقع صريعا فيخطر له ان خصمه ربما وقع قبله فيثبت حتى يكون بثبات الدقيقة الأخيرة هو