الشيخ محمد رشيد رضا
22
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصّرعة الظافر وكذلك كان جلاد فريقي دول أوربة في الحرب الأخيرة : فقد كل فريق منهما جميع نقوده ونقص عتاد حربه ، ووهنت قوى جنوده ، ومادة غذائه ، وهو يقول « إلى الساعة الأخيرة » حتى كان فريق الحلف البريطاني الفرنسي ومن معه يستغيث دولة الولايات المتحدة ويسألونها تعجيل الغوث بالأيام والساعات لا بالشهور والأسابيع ، ثم كان له الغلب بأسباب أهمها وآخرها الثبات وعدم اليأس مما ذاقوا من بأس الحلف الألماني في الحرب ومخترعاتهم فيها من المدافع الضخمة والطيارات تمطرهم العذاب من فوق رؤوسهم والغواصات تنسف بواخرهم وبوارجهم من أسفل منها الخ وكذلك يعيد الثبات في كل أعمال البشر فهو وسيلة النجاح في كل شيء وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي وأكثروا من ذكر اللّه في أثناء القتال وتضاعيفه ، اذكروه في قلوبكم بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين ونصر كل من يتبع سنتهم بنصر دينه وإقامة سننه ، وبذكر تهيه لكم عن اليأس ، مهما اشتد البأس ، وبأن النصر بيده ومن عنده ، ينصر من يشاء وهو القوي العزيز ، فمن ذكر هذا وتأمل فيه لا تهوله قوة عدوه واستعداده ، لايمانه بأن اللّه تعالى أقوى منه - واذكروه أيضا بألسنتكم موافقة لقلوبكم بمثل التكبير الذي تستصغرون بملاحظة معناه كل ما عداه ، والدعاء والتضرع اليه عز وجل مع اليقين بأن لا يعجزه شيء لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ هذا الرجاء منوط بالأمرين كليهما أي ان الثبات وذكر اللّه تعالى هما السببان المعنويان للفلاح والفوز في القتال في الدنيا ثم في نيل الثواب في الآخرة . أما الأول فظاهر وقد بينا مثاله من الوقائع البشرية . وأما الثاني فأمثلته أظهر وأكثر ، ومن أظهرها ما نزلت هذه الآية في سياقه وهذه السورة بجملتها في بيان حكمه وأحكامه وسنن اللّه فيه وهو غزوة بدر الكبرى وقد تقدم بيانه ، وقد كان الكفار يمترون في كون الايمان - ولا سيما الصحيح وهو ايمان التوحيد الخالي من الخرافات وما يستلزمه من التوكل على اللّه تعالى في الشدائد ودعائه واستغاثته - من أسباب النصر في الحرب ، ولكن هذا قد صار معروفا عند علماء الاجتماع وفلسفة التاريخ وعلم النفس وعند قواد الجيوش وزعماء السياسة ، ومما ذكروا من أسباب فلج البوير على الانكليز في وقائع كثيرة في حرب الترنسفال أن