الشيخ محمد رشيد رضا

14

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فالأهم والأصل في الخمس أنه كان المرباع « 1 » عادة مستمرة في الجاهلية يأخذه رئيس القوم وعصبته فتمكن ذلك في علومهم وما كادوا يجدون في أنفسهم حرجا منه وفيه قال القاتل : وان لنا المرباع من كل غارة * تكون بنجد أو بأرض التهائم فشرع اللّه تعالى الخمس لحوائج المدينة والملة نحوا مما كان عندهم كما أنزل الآيات على الأنبياء عليهم السّلام نحوا مما كان شائعا ذائعا فيهم . وكان المرباع لرئيس القوم وعصبته تنوبها بشأنهم ولأنهم مشغولون بأمر العامة محتاجون إلى نفقات كثيرة فجعل اللّه الخمس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه عليه السّلام مشغول بأمر الناس لا يتفرغ أن يكتسب لأهله فوجب أن تكون نفقته في مال المسلمين ، ولأن النصرة حصلت بدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والرعب الذي أعطاه اللّه إياه فكان كحاضر الوقعة ، ولذوي القربى لأنهم أكثر الناس حمية للاسلام حيث اجتمع فيهم الحمية الدينية إلى الحمية النسبية فإنه لا فخر لهم الا بعلو دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولأن في ذلك تنويها بأهل بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتلك مصلحة راجعة إلى الملة . وإذا كان العلماء والقراء يكون توقيرهم تنويها بالملة يجب أن يكون توقير ذوي القربى كذلك بالأولى ، وللمحتاجين وضبطهم بالمساكين والفقراء واليتامى - وقد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس وعلى هذا فتخصيص هذه الخمسة بالذكر للاهتمام بشأنها والتوكيد أن لا يتخذ الخمس والفيء أغنياؤهم دولة « 2 » فيهملوا جانب المحتاجين ولسد باب الظن السيء بالنسبة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقرابته وانما شرعت الأنفال والأرضاخ « 3 » لان الانسان كثيرا ما يقدم على مهلكة الا لشيء لا يطمع فيه « 4 » وذلك ديدن وخلق للناس لا بد من رعايته وانما جعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لان غناء الفارس عن المسلمين أعظم ومؤنته أكثر وإن رأيت حال الجيوش لم تشك ان الفارس لا يطيب قلبه ولا تكفى مؤنته إذا جعلت جائزته دون ثلاثة أضعاف سهم الراجل ، لا يختلف فيه طوائف العرب والعجم على اختلاف أحوالهم وعاداتهم

--> ( 1 ) أي الربع ( 2 ) أي نوبة متداولة يكون لهذا مرة ولهذا مرة ( 3 ) الارضاخ‌جمع رضخ وهو العطية القليلة من الغنيمة لعير الغانمين ( 4 ) كذا في الأصل