الشيخ محمد رشيد رضا
95
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المضارع ( ينكثون ) فإنه يدل على الاستمرار ومعنى النظم الكريم : ولما وقع على فرعون وقومه ذلك العذاب المذكور في الآية السابقة فاضطربوا اضطراب الأرشية في البئر البعيدة القعر ، وحاصوا حيصة الحمر فوقعوا في حيص بيص - وهو ما يدل عليه تسمية ذلك العذاب بالرجز - قالوا عند نزول كل نوع منه بهم : يا موسى ادع لنا ربك واسأله بما عهد عندك من امر إرسالك الينا لانقاذ قومك ليعبدوه وحده - فالنبوة والرسالة عهد من الرب تعالى لمن اختصه بذلك يدل عليه قوله تعالى لإبراهيم صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ، قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) - أو ادعه بالذي عهد به إليك ان تدعوه به فيعطيك الآيات ويستجيب لك الدعاء - ان يكشف عنا هذا الرجز ، ونحن نقسم لك لئن كشفته عنا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل قال تعالى : * * * فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ اي فلما كشفنا عنهم العذاب مرة بعد مرة إلى اجل هم بالغوه ومنتهون اليه في كل مرة منها - وهو عود الحال إلى ما كانت عليه - أو في مجموعها وهو الغرق الذي هلكوا فيه - إذا هم ينكثون عهدهم ويحنثون في قسمهم في كل مرة . اي فاجأوا بالنكث ، وبادروا إلى الحنث ، بلا روية ولا ريث . وأصل النكث في اللغة نقض ما غزل أو ما فتل من الحبال ليعود انكاثا وطاقات من الخيوط كما كان . والأنكاث ما نقض من الغزل ليغزل ثانية ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا ) * * * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ اي فانتقمنا منهم عند بلوغ الاجل المضروب لهم بأن أغرقناهم في اليم - وهو البحر في اللغة المصرية الموافقة للعربية في الألوف من مفرداتها « 1 » وهو يطلق على النيل وغيره - والفاء الداخلة على انتقمنا تفسيرية كقوله تعالى : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ . . . ) وعلل هذا الانتقام كما علل أمثاله بأنهم كذبوا بآيات اللّه وتكرر هذا اللفظ في قصص الأنبياء من هذه السورة أكثر من غيرها وان لم
--> ( 1 ) قد اكتشف هذه الموافقة علامة العاديات المصرية صديقنا احمد باشا كمال الأثري المصري صاحب المعجم الكبير للغة الهير وغليفية ( رحمه اللّه تعالى ) ومنه يعلم أن أصل اللغتين واحد أو ان أصل الأمتين واحد