الشيخ محمد رشيد رضا

96

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يؤت بعضهم غير آية واحدة فان تكذيب الواحدة كتكذيب الكثير ويقتضيه باتحاد العلة ، كما أن تكذيب أحد الرسل كتكذيب الجميع إذا كان بعد ظهور آيته ، وقيام الحجة على دعوته . وكذلك تكرر في القرآن كون الغفلة على الحق ودلائله من صفات الكفار . واما جمع الآيات هنا فلانها متعددة . واما عطف الانتقام بالفاء فليس تعليلا آخر وانما هو تعقيب على كونه وقع بعد التكذيب بتلك الآيات كلها ، والمعنى انهم كانوا يظهرون الايمان عند كل آية من آيات العذاب ثم يكذبون حتى إذا انقضى الاجل المضروب لهم انتقمنا منهم بسبب انهم كذبوا بها كلها وكانوا غافلين عما تقتضيه وتستلزمه من عذاب الدنيا والآخرة ، إذ كانت في نظر أكثرهم من قبيل السحر والصناعة ، وكانوا قد بلغوا فيهما الغاية ، ولذلك كانوا يكاثرون أنفسهم في كل آية ، ويحاولون ان يأتي سحرتهم وعلماؤهم بمثلها ، ويحملون عجزهم على تفوق موسى عليهم فيها ، ويعدون إسناده كل شيء إلى ربه من قبيل استنادهم الأمور إلى آلهتهم الباطلة بحسب التقاليد التي لم يكن حكماؤهم يؤمنون بها ، وانما يحافظون عليها لأجل خضوع عامة الشعب لها ، وأما من ظهرت لهم دلالة آيات موسى على الحق فمنهم من آمن جهرا ككبار السحرة ومن آمن فكتم إيمانه كالذي عارض فرعون وملأه في قتل موسى بالحجة والبرهان - كما في سورة غافر وذكرناه في هذا السياق - ومنهم من جحد بها لمحض العلوّ والكبرياء ، كفرعون وأكابر الوزراء والرؤساء ومن العبرة في مجاراة الحكومة الفرعونية للعوام على خرافاتهم أن حكومات هذا العصر توافق العامة على كل ما يعدلونه من الدين وان لم يكن منه كما تفعل الحكومة المصرية في بعض الاحتفالات الموسمية المبتدعة في الاسلام كالموالد بالتبع لجمهور الشعب من كبار علمائه إلى أجهل عوامه وهي مشتملة على كثير من المعاصي المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة التي يعد مستحلها مرتدا عن الاسلام باتفاق المذاهب ، والجمهور غافلون عن ضرر هذه البدع التي جعلت من قبيل شعائر الاسلام بالاحتفال بها وشد الرحال إليها ، وانفاق الأموال العظيمة في سبيلها ، وتعطيل كبرى شعائر الاسلام وهي الصلاة وابطال دروس العلوم الدينية من المساجد التي نقام فيها لأجلها ، كالمسجد لاحمدي في طنطا والمسجد الإبراهيمي في دسوق . وان أكبر ضررها تشويه الاسلام في نظر العقلاء من اولي العلوم الاستقلالية حتى كثر فيهم المرتدون عنه ، وصد غير المسلمين عن