الشيخ محمد رشيد رضا

94

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سورتي سبأ والجاثية انذار للكافرين بعذاب من رجز أليم . وفسر الرجز هنا بالعذاب وروي عن قتادة وفيه حديث مرفوع عن عائشة عند ابن مردويه ، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المراد به الطاعون . وكأنهما أخذاه من حديث أسامة بن زيد مرفوعا « الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل - أو على من كان قبلكم - فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » رواه مسلم عنه بهذا اللفظ وألفاظ أخرى بمعناه منها « الطاعون آية الرجز ابتلى اللّه به عز وجل أناسا من عباده » الخ وفي رواية له « هو عذاب أو رجز أرسله اللّه على طائفة من بني إسرائيل أو ناس كانوا قبلكم » الخ وأوله في بعضها « ان هذا الطاعون » الخ ورواه أحمد والنسائي ومصنفو التفسير المأثور عنه وعن سعيد بن مالك وخزيمة بن ثابت ووجهه في اللغة أن الطاعون من الأوبئة التي تضطرب لها القلوب لشدة فتكها وذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ - إلى قوله - فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) وهو يصدق بطائفة من بني إسرائيل وقد نزل الطاعون بهم كغيرهم مرارا ولا يوجد حديث مرفوع يدل على أن الطاعون هو المراد بالرجز في الآية التي نفسرها وضربة القروح المذكورة في التوراة يجوز أن تكون هي الطاعون ، وموت الابكار يحتمل أن يكون بالطاعون أيضا والمتبادر من عبارة الآية أن المراد من الرجز جنسه وهو كل عذاب تضطرب له القلوب أو يضطرب له الناس في شؤونهم ومعايشهم وهو يشمل كل نقمة وجائحة أنزلها اللّه تعالى على قوم فرعون كالخمس المبينة في هذا السياق وفي التوراة أن فرعون كان يقول لموسى عند نزول كل منها ادع لنا ربك واشفع لنا عنده أن يرفع عنا هذه ، ويعده بأن يرسل معه بني إسرائيل ليعبدوا ربهم ويذبحوا له ثم ينكث ، فإذا أريد بالرجز افراده وافق التوراة في أن فرعون وملأه كانوا يطلبون من موسى عند كل فرد منها ان يدعو ربه بكشفها عنهم ، ولفظ « لما » لا يمنع من ذلك كما صرح به المفسرون الذين قالوا بهذا ، وان أريد به جملته ومجموع افراده أو فرد آخر غير ما تقدم فالمتبادر ان يكون طلب كشفه قد وقع مرة واحدة ، والأول أظهر ويرجحه التعبير عن نكثهم بصيغة