الشيخ محمد رشيد رضا
81
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إليها التنازع بين الأمم للمتقين أي الذين يتقون اللّه بمراعاة سننه في أسباب ارث الأرض كالاتحاد وجمع الكلمة ، والاعتصام بالحق ، وإقامة العدل ، والصبر على المكاره ، والاستعانة باللّه ولا سيما عند الشدائد ؛ ونحو ذلك مما هدى اليه وحيه وأيدته التجارب . ومراده عليه السّلام ان العاقبة ستكون لكم بإرث الأرض ولكن بشرط أن تكونوا من المتقين له تعالى بإقامة شرعه ، والسير على سننه في نظام خلقه ، وليس الامر كما تتوهمون ويتوهم فرعون وقومه من بقاء القوي على قوته والضعيف على ضعفه ، أو ان الآلهة الباطلة ضمنت لفرعون بقاء ملكه ، على عظمته وجبروته وظلمه * * * ماذا كان من تأثير وصية موسى عليه السّلام لقومه ؟ وهل فهموها وقدروها قدرها ؟ وبم أجابوه ؟ قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا يعنون أنهم لم يستفيدوا من إرساله لانقاذهم من ظلم فرعون شيئا فهو يؤذيهم ويظلمهم بعد إرساله كما كان يؤذيهم من قبله أو أشد - وهذا الايذاء مبين في الفصل الخامس من سفر الخروج من التوراة ففيه ان موسى وهارون لما طلبا من فرعون إطلاق بني إسرائيل لكي يعبدوا ربهم ويعيدوا له في البرية ويذبحوا له ، قال لهما لماذا تعطلان الشعب عن أعماله - وأمر فرعون في ذلك اليوم مسخري الشعب ومدبريه أن يمتنعوا من اعطائه التبن الذي كانوا يعطونه إياه ليعمل به اللبن ( الطوب النيّ ) الذي كان مفروضا عليهم كل يوم وان يكلفوه جمع التبن من البلاد ولا ينقصوا من عدد اللبن المفروض عليه شيئا ، فتفرق الشعب في جميع ارض مصر ليجمعوا جذامة « * » عوض التبن فعجزوا عن تمام المقدار المفروض عليهم من اللبن والمسخرون يلحون عليهم : أكملوا فريضة كل يوم كما كانت عندما كنتم تعطون التبن ، فجاء مدبر وبني إسرائيل الذين ولا هم عليهم المسخرون . لهم من قبل فرعون واستغاثوا فرعون نفسه قائلين ( 15 ) لماذا تصنع بعبيدك هكذا ؟ ( 16 ) انه لا يعطى لعبيدك تبن وهم يقولون لنا اعملوا لبنا ، وها ان عبيدك يضربون وشعبك يعاملون كمذنبين ( 17 ) قال انما أنتم مترفهون ولذلك تقولون نمضي ونذبح للرب ( 18 ) والآن فامضوا اعملوا ، وتبن لا يعطى لكم ، ومقدار اللبن تقدمونه ( 19 ) فرأى مدبر وبني إسرائيل نفوسهم في شقاء إذ قيل لا تنقصوا
--> ( * ) الجذامة بالضم ما بقي من الزرع في الأرض بعد الحصد