الشيخ محمد رشيد رضا

75

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سلامتها كلها من التعارض والتناقض وغيرهما من أنواع الاختلاف وان كتب ذلك كتابة وقابل بعضه ببعض منقحاله ومصححا ، فكيف إذا كان يرتجل الكلام ارتجالا في أوقات مختلفة كما كان النبي ( ص ) يتلو القرآن كالمرتجل له ، وانما كان يلقاه فيؤديه كما تلقاه فيعجل به خائفا أن ينسى منه شيئا حتى لقن فيه نبأ عصمته من نسيان شيء منه ، وانه تعالى كفل حفظه ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) وتلك ضروب من اعجازه اللفظي ، ولضروب اعجازه المعنوي أكبر ( 3 ) إثبات عجز البشر عن ترجمة القرآن بلغة أخرى تؤدى معانيه كلها ، وإذا كان من المتعذر أداؤها بمثلها من لغتها ، فترجمتها بلغة أخرى أولى . وقد تصدى بعض المغرورين في هذه الأيام لترجمته باللغة التركية الفقيرة الملفقة من عدة لغات لأجل أن يستعين بهذه الترجمة الملاحدة من زعماء الترك على ما يبتغون من سل الشعب التركي من الاسلام بأن يحمله على الاستغناء بهذه الترجمة عن كتاب اللّه المنزل من عند اللّه تعالى ( بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) كما ثبت في عدة آيات فان انخدع هذا الشعب المسلم بهذا سهل على هؤلاء الملاحدة أن يحولوا بينه وبين السنة النبوية العربية أيضا لأنها في المرتبة الثانية ، ثم أن يحولوا بينه وبين آثار الصحابة والتابعين فإنها في المرتبة الثالثة - ثم أن يحولوا بينه وبين ما كتبه أئمة العلماء في التفسير وشرح الحديث وما استنبط منهما في أمور الدين من العقائد والآداب وأحكام العبادات والمعاملات ، وبعد هذا يتحكمون في تفسير هذه الترجمة له بما شاؤوا ، ويوردون الشبهات على الاسلام المشوّه المأخوذ من ترجمتهم القابلة لذلك - وحينئذ يتم لهم ما يريدون من جعل الترك أمة لا دينية . ولكن لن يتم لهم ذلك ان شاء اللّه تعالى ، فالشعب التركي راسخ في الاسلام ، ومتى عرف كيد هؤلاء الملاحدة المضلين فإنه ينبذهم نبذ النواة . * تتمة تفسير الآيات * * * وههنا يرد سؤال : ما ذا كان من أمر السحرة عندما سمعوا هذا التهديد والوعيد ؟ وبم أجابوا ذلك الجبار العتيد ؟ وجوابه هنا قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ يجوز أن يكونوا قد عنوا بقولهم هذا أنفسهم وحدها وأرادوا