الشيخ محمد رشيد رضا

76

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنهم لا يبالون ما يكون من قضائه فيهم وقتله لهم لأنهم راجعون إلى ربهم ، راجون مغفرته ورحمته بهم ، وحينئذ يكون تعجيل قتلهم سببا لقرب لقائه ، والتمتع بحسن جزائه . ويجوز أن يكونوا قد عنوا أنفسهم وفرعون جميعا وأرادوا اننا وإياك سننقلب إلى ربنا ، فلئن قتلتنا فما أنت بخالد بعدنا ، وسيحكم عز وجل بعد له بينك وبيننا ، وفيه تعريض بكذبه في دعوي الربوبية ، وتصريح بايثار ما عند اللّه تعالى على ما عنده من الشهوات الدنيوية ، وفي سورة الشعراء ( قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) وهو يؤيد المعنى الأول ولا ينافي الثاني لأنه يشمل الأول * * * وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا قال الراغب : نقمت الشيء ونقمته ( أي من بابي فرح وضرب ) إذا أنكرته اما باللسان واما بالعقوبة قال تعالى ( وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ * هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ) الآية والنقمة العقوبة قال ( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ ) الخ وتفسيره هذا لنقم أدق وأشمل من قول الزمخشري في الأساس : ونقمت كذا - أنكرته وعبته . فإنه لم يذكر الا القولي منه وقد استشهد له بقوله تعالى ( وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا ) وهو في أصحاب الأخدود وكان النقم منهم بالفعل لا بالقول ، فسبحان من لا ينسى ولا يغفل . وما ذكره السحرة من نقم فرعون منهم كان بالقول وهو الاستنكار التوبيخي لايمانهم والتهمة فيه والوعيد عليه . والظاهر أنه نفذ الوعيد بالانتقام بالفعل واستنبط بعض المفسرين من قوله تعالى لموسى وهارون ( أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ) ان فرعون لم يقدر على تنفيذ الوعيد فيهم . وأجيب عن هذا بأن المراد الغلبة بالحجة والبرهان وفي عاقبة الامر ونهايته والا لم يقتل أحد من اتباع الرسل عليهم السّلام ، وهو صريح قوله تعالى في أول هذه القصة الذي ذكرنا أنه بيان لنتيجتها ووجه العبرة فيها ( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) يعني فرعون وملاه ، ويؤيده ما ورد في معناه من الآيات الكثيرة كقوله تعالى حكاية عن شعيب في قصته التي مرت في هذه السورة أيضا ( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) وقوله قبله في قصة لوط منها ( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) وقوله تعالى في مكذبي الرسل عامة بعد ذكر تكذيب قوم خاتم الرسل « ص »