الشيخ محمد رشيد رضا

74

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يرد على قولهم : تخليص معنى المضارع للحال . وجوابهم عن الآيتين لا يظهر في تعبيرهم كما يظهر في تعبيره هو بغير تكلف ما . ثم إنه لا بد في صدق التعبير بقوله ( فَلَسَوْفَ ) من كون فرعون ذكر في وعيدهم المستقبل أنه قريب وأنه قطعي لا مردّ له ، سواء قاله على سبيل الايضاح أو على سبيل الاستدراك . ورب جملة أو جمل طويلة تؤدى في القرآن بجملة قصيرة أو كلمة أو حرف في كلمة كاللام هنا ، وهذا من دقائق إيجاز القرآن وهو ضرب من ضروب إعجازه اللفظية في غير الأسلوب والنظم ، وكلها دون إعجازه في بيان حقائق الشرع والعلم ، فكيف يمكن لبشر أن يؤدي هذه الدقائق بالترجمة ؟ ومثله في هذا ما سبق وما يأتي من تتمة هذه المباحث * * * ( ومنها ) - أي مباحث المقابلة والتنظير بين السور - أنه قال هنا ( ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ ) وقال في طه والشعراء ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ ) * ولا تعارض بين العاطفين فان العطف بالواو مطلق يصدق بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء وبالتراخي الذي تدل عليه ثم وليس مقيدا بأحدهما ، وغايته أنه أفاد بثم معنى خاصا وهو ما تدل عليه من التراخي في الزمن أو الرتبة وكلاهما جائز هنا فإنه بعد أن أفاد بقوله ( فَلَسَوْفَ ) وقوله ( فَلَأُقَطِّعَنَّ ) ان الوعيد سينفذ حالا في المجلس بقطع الأيدي والأرجل من خلاف - أفاد بقوله ( ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ ) ان التصليب نوع آخر ومرتبة ثانية من التنكيل بهم ، أو سيتأخر عن التقطيع في الزمن بأن يظلوا بعده مطروحين على الأرض إهانة لهم ثم يعلقون على جذوع النخل ، ويجوز الجمع بينهما . وكون التصليب في جذوع النخل فائدة أخرى زادها في سورة طه وتخصيصها بها مناسب لنظمها ولعلك تدرك ذلك بالذوق كما تدرك به التفرقة بين بحور الشعر . أوردنا هذا البحث الفني وأمثاله من هذه القصة على اجتنابنا للاصطلاحات الفنية والعلمية في الغالب لثلاثة أسباب ( 1 ) إن هذه المسائل مما يقع فيه الاشتباه ولم نر لها بيانا في التفاسير المتداولة حتى التي تمتاز بالعناية بمثلها ( 2 ) بيان ما فيها من الدقة في تحديد المعاني ، وغرائب الايجاز ، والاتفاق في مظنة الاختلاف ، وهو المعهود في كل موضوع طويل يعبر عنه بعبارات مختلفة ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) إذ ليس في استطاعة بشر أن يحكي قصة كقصة موسى بعبارات مختلفة بمثل هذا التحديد للمعاني مع