الشيخ محمد رشيد رضا
73
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الوقوع كما قال تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) فجمع بين اللام وبين يوم القيامة على ما قاله تعالى ( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) وقد بينا أن سورة الشعراء أكثر اقتصاصا لأحوال موسى عليه السّلام في بعثه وابتداء أمره وانتهاء حاله مع عدوه فجمعت لفظ الوعيد المبهم مع اللفظ المقرب له المحقق وقوعه - إلى اللفظ المفصح بمعناه ، ثم وقع الاقتصار في السورة التي لم يقصد بها من اقتصاص الحال ما ذكر في سورة الشعراء على نقص مّا في موضع البسط والشرح وهو التعريض بالوعيد مع الافصاح به ( قال ) « فأما في سورة طه فإنه اقتصر فيها على التصريح بما أوعدهم به وترك « فسوف تعلمون » وقال ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ . . . ) الا أنه جاء بدل هذه الكلمة ما يعادلها ، ويقارب ما جاء في سورة الشعراء التي هي مثلها في اقتصاص أحواله من ابتدائها إلى حين انتهائها ، وهو قوله بعده ( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ) فاللام والنون في « لَتَعْلَمُنَّ » لادناء الفعل وتوكيده كما أتى باللام في قوله ( فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) لإدناء الفعل وتقريبه ، فقد تجاوز ما في السورتين المقصود فيهما إلى اقتصاص الحالين من إعلاء الحق وإزهاق الباطل » اه أقول من المعلوم أن هذه اللام لام الابتداء وأن فائدتها الأولى المتفق عليها توكيد مضمون الجملة وقد سكت الإسكافي عن التعليل بها على ظهورها وعدم خفاء شيء من شواهدها واقتصر على توجيه ما ذكروا لهذه اللام من معنى الحال إذ قالوا إن الفائدة الثانية لها تخليص معنى المضارع للحال ، نقله ابن هشام في المغنى وقال إن ابن مالك اعترضه بقوله تعالى ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وبقول يعقوب عليه السّلام فيما حكاه اللّه عنه ( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ) فان الذهاب كان مستقبلا فلو كان الحزن حالا لزم تقدم الفعل في الوجود على فاعله مع أنه أثره ( قال ) والجواب عن الأول ان الحكم في ذلك اليوم واقع لا محالة فنزل منزلة الحاضر المشاهد - وان التقدير في الثاني قصد أن تذهبوا به والقصد حال اه وأنت ترى أن تعبير الإسكافي في هذه الفائدة أوسع من التعبير الذي ذكره ابن هشام وغيره وأبعد عن الاشكال فقد قال هو إن معنى الحال فيها عبارة عن تحقيق الفعل وادنائه من الوقوع . وهو يصدق بجعل المضارع للحال حقيقة أو بجعل معنى الاستقبال فيه قريبا جدا حتى كأنه حال ، ولا يرد على هذا ما