الشيخ محمد رشيد رضا

5

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا كلام مستأنف لبيان أهم الامرين وأولاهما بالرفض والكراهة وهو انشاء في لفظ الخبر فاما أن يكون تأكيدا قسميا لرفض دعوة الملأ إياهم إلى العود في ملتهم كما يقول القائل : برئت من الذمة أو من ديني أو من رحمة اللّه تعالى ان فعلت كذا . فيكون مقابلة لقسمهم بقسم أعرق منه في التوكيد - وإما أن يكون تعجبا خرج لا على مقتضى الظاهر وأكد بقد والفعل الماضي ، والمعنى ما أعظم افتراءنا على اللّه تعالى ان عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها وهدانا الصراط المستقيم ، بالحنيفية ملة إبراهيم ، وإذا كان من يتبع ملتكم يعد مفتريا على اللّه تعالى بقوله عليه ما لا يعلم ، لا بهداية من الوحي ، ولا برهان من العقل ؟ فكيف يكون حال من افترى عليه وضل عن صراطه على علم ؟ وان كفر الجحود وهو انكار الحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر ، والافتراء على اللّه تعالى فيه أفظع ضروب الافتراء التي لا يقبل فيها أدنى عذر ؟ وأنت ترى أن التنجية أدل من العود على إثبات أنهم كانوا على ملة قومهم حقيقة . وقد علمت أن المفسرين يجعلونه تغليبا لاستثنائه عليه السّلام . ونقول بناء على ما قررناه من أن عدهم إياه من أهل ملتهم لا يقتضي أنه كان يعبد ما يعبدون ، ويفعل من التطفيف وبخس الناس أشياءهم ما كانوا يفعلون ، : إنه يصح أن يشمله إنجاء اللّه تعالى إياه منها بمعنى انجائه من الانتماء إلى ملة ما كان يؤمن بعقيدتها ، ولا يعمل عمل أهلها ، ولا كان يهتدي بعقله ورأيه إلى ملة خير منها ، فكان موقفه موقف الحيرة في شأنها ، كما يؤخذ من قوله تعالى في خطاب النبي الخاتم الأعظم ؛ صلّى اللّه عليه وسلّم ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) وتفسيره بقوله ( وكذلك وحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) الآية وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا هذا رفض آخر للعود في ملتهم مؤكد أبلغ التأكيد معطوف على مناسبه ، والتعبير يدل على نفي الشأن ، وهو أبلغ من نفي الفعل ، لأنه نفي له بالدليل وهو كونه غير مستطاع ، ولا جار على سننن اللّه في الاجتماع ، والمعنى ليس من شأننا أن نعود فيها في حال من الأحوال الا حال مشيئة اللّه ربنا ، المتصرف في جميع شؤوننا ، فهو وحده القادر على ذلك لا يقدر عليه غيره لا أنتم ولا نحن أيضا ، لأننا موقنون بأن ملتكم باطلة ضارة مفسدة ، وملتنا هي الحق ، التي بها صلاح