الشيخ محمد رشيد رضا

6

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الناس وعمران الأرض ، والموقن لا يستطيع إزالة يقينه ولا تغييره ، وانما ذلك بيد مقلّب القلوب سبحانه ورهن مشيئته وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فعنده من العلم بأسباب الايمان والكفر والهدى والضلال والصلاح والفساد ما ليس عندكم ولا عند أحد من الخلق ، ومشيئته تجري بحسب علمه وحكمته في خلقه . ومما كان يعلمه عليه السّلام من حكمته تعالى وسننه في خلقه أنه يقيم حجته بأهل الحق على أهل الباطل وينصرهم عليهم بالقول والفعل ما داموا ناصرين له وقائمين بما هداهم اليه منه ، فكأنه يقول لهم : إذا كان الامر كذلك فلا تطمعوا إذا أن يشاء ربنا الحفي بنا عودتنا في ملتكم بعد إذ نجانا بفضله منها وأقام الحجة عليكم بنا ، وما كان تعالى ليدحض حجته ، ويبطل سنته فهذا الاستثناء موئس للملأ من قوم شعيب من عودته عليه السّلام مع من آمن معه في ملتهم ، لأنه بعد أن نفى وقوع العود منهم باختيارهم نفيا مؤكدا بأنه ليس من شأنهم ولا مما يجيء من قبلهم في حال ما من الأحوال التي تطرأ عليهم كالترغيب والترهيب والرجاء في المنافع والخوف من المضار ، ومنها الاخراج من الديار ، استثنى حالا واحدة وهي مشيئة اللّه تعالى وحده ، فدل على عموم النفي فيما عدا المستثنى وقد يستعمل لتوكيده من غير ملاحظة لمتعلق المشيئة هل هو ممكن يجوز أن يقع أم لا ، كقوله تعالى ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) أو للتنبيه على النفي بكرم اللّه وفضله لا بالايجاب عليه وهو الوجه الذي اختاره شيخنا رحمه اللّه تعالى في تفسير سورة الاعلى ولا يخل بتوكيد عموم النفي جواز تعلق المشيئة بالمنفي في كلام شعيب عليه السّلام والقرائن اللفظية والمعنوية تدل على عدم وقوع هذا الجائز وهو انه تعالى لا يشاء عودته مع من آمن معه في ملة قومهم . فهو قد قرر أن هذا شيء لا يقدر عليه الا اللّه تعالى فطلبه من غيره عبث ، يؤكده ذكر الرب مضافا إلى ضمير المتكلم ومن معه فأفاد بدلالة الالتزام أو الاقتضاء أنه لا يشاء لهم الا ما عودهم بحسن تربيته إياهم ولطفه وعنايته بهم ، إذ أنجاهم من تلك الملة الباطلة ، وهو تأييد عصمة رسولهم وحفظ جماعتهم من العود فيها ، فكان هذا بمعنى قول عبد أمين أراد أن يغويه بعض المغوين ويغريه بخيانة سيده الحفي به وصرف بعض ما له فيما يضره هو ويفسد عليه نفسه : ليس هذا من شأني ولا مما يدخل في تصرفي الا أن يشاء سيدي الصالح المصلح المعتني بشأني ، وهو اعلم منى بأمري . فالتعبير ليس مسوقا