الشيخ محمد رشيد رضا
67
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لان من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير ، فأخبر اللّه ان ذلك كان مموها على غير حقيقته ، والعرب تقول لضرب من الحلي مسحورا اى مموه على من رآه مسحور به اه فعلى هذا يكون سحرهم لاعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها ، ويحتمل أن يكون بحيلة أخرى كاطلاق ابخرة أثرت في الأعين فجعلتها تبصر ذلك أو بجعل العصي والحبال على صورة الحيات وتحريكها بمحركات خفية سريعة لا تدركها أبصار الناظرين ، وكانت هذه الاعمال من الصناعات وتسمى السيمياء * * * ( 116 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 118 ) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ( 119 ) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ * * * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ أي أوحينا اليه بأن ألق عصاك فقد جاء وقتها فألقاها كما أمر فإذا هي تلقف ما يأتون به من الافك . ذكر هنا وفي سورة طه امره تعالى لموسى بالالقاء وفي سورة الشعراء أنه فعل الالقاء الذي أمر به ولم يذكر الامر فحذف من كل سورة ما أثبت مقابله في الأخرى وهو من قبيل الاحتباك في السور والايجاز المؤدي للمعاني المتعددة بأخصر عبارة . قرأ حفص تلقف بالتخفيف من الثلاثي والباقون بالتشديد وأصله تتلقف وهو يدل على لقف شيء بعد شيء ما معنى لقف العصا للافك ؟ الافك بالكسر اسم لما يؤفك أي يصرف ويحول عن شيء إلى غيره ويستعمل في التلبيس والشر وقلب الحقائق ، وبالفتح مصدر افك « بالفتح كجلس وضرب » ويقال افك بالكسر « كتعب » قال في الأساس : افكه عن رأيه صرفه ، وفلان مأفوك عن الخير . وقال الراغب الافك كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب مؤتكفة قال تعالى ( وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ) وقال تعالى ( وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ) وقوله تعالى ( قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * أي يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل ، وعن الصدق في