الشيخ محمد رشيد رضا
68
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المقال إلى الكذب ، وعن الجميل في الفعل إلى القبيح . ومنه قوله تعالى ( يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * وقوله ( أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا ) فاستعملوا الافك في ذلك لما اعتقدوا ان ذلك صرف عن الحق إلى الباطل - فاستعمل ذلك في الكذب لما قلنا اه ويعلم منه ومن سائر استعمال المادة في القرآن وغيره ان الافك يكون بالقول ومنه الكذب وما يؤدي المراد من الكذب كالايهام والتدليس والتجوزات والكنايات والمعاريض التي توهم السامع أو القارئ لها ما يخالف الحق ، وقد يكون بالفعل كعمل سحرة فرعون واما لقف الشيء وتلقفه بالتشديد فهو تناوله بحذق وسرعة كما قال الشاعر كرة حذفت بصوالجة * فتلقفها رجل رجل قال الراغب لقفت الشيء القفه « أي من باب علم » وتلقفته تناولته بالحذق سواء في ذلك تناوله بالفم أو اليد قال ( فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ) اه ومن مجازه تلقف العلم أي تلقيه بسرعة وحذق . وما في قوله تعالى « ما يَأْفِكُونَ » إما موصولة واما مصدرية وعلى الأول يتخرج ما نقل عن ابن عباس وقتادة والحسن والسدي من كون عصا موسى عليه السّلام التقمت حبال السحرة وعصيهم واسترطتها أي ابتلعتها فهو مما يحتمله اللفظ ، والراجح انه مأخوذ عن اليهود لما علمت آنفا من نص سفر الخروج فيه . وينافيه كونها مصدرية إذ المعنى عليه انها تناولت عملهم هذا فأتت عليه بما أظهرت من بطلانه وحقيقة الامر في نفسه بسرعة ، فإن كان إفكهم عبارة عن تأثير أحدثوه في الأعين فلقفها إياه عبارة عن ازالته وابطاله ورؤية الحبال والعصي على حقيقتها - وان كان تحريكا لها بمحركات خفية سريعة فكذلك - وان كان قد حصل بجعلها مجوفة محشوة بالزئبق وتحريكه إياها بفعل الحرارة سواء كانت نارا أعدت لها أو الشمس حين اصابتها فلقفها لذلك يجوز ان يكون بعمل من الحية أخرجت به الزئبق من الحبال والعصي فانكشفت به الحيلة . قال الشيخ محيي الدين بن العربي ما معناه أو محصله على ما نتذكر ان إبطالها لسحر السحرة انه ترتب على القائها ان رأى الناس تلك الحبال والعصي على أصلها ولو ابتلعتها لبقي الامر ملتبسا على الناس إذ قصاراه ان كلا من السحرة وموسى قد اظهر امرا غريبا ولكن أحد الغريبين كان أقوى من الآخر فأخفاه على وجه غير معلوم ولا مفهوم وهذا لا ينافي كونهما من جنس واحد . ولكن زوال غشاوة السحر وتخييله حتى رأى الناس ان الحبال والعصي التي ألقاها