الشيخ محمد رشيد رضا
66
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قومه لما رأى كلا من الكواكب والقمر والشمس بازغا قال « هذا ربي » ثم تعقبه بما يدل على كونه لا يصح أن يكون ربا واسماعه إياهم بعد ابطال ربوبيتها كلها حقيقة التوحيد بقوله ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أي فلما ألقوا ما ألقوا من حبالهم وعصيهم كما في سورتي الشعراء وطه سحروا أعين الناس الحاضرين ومنهم موسى عليه السّلام ففي سورة طه ( فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) واسترهبوهم أي أوقعوا في قلوبهم الرهب والخوف كما قال تعالى ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ) وأصل الاسترهاب محاولة الارهاب وطلب وقوعه بأسبابه ، وقد قصدوا ذلك فحصل . وجاؤوا بسحر عظيم أي مظهره كبير ، وتأثيره في أعين الناس عظيم ، قال الحافظ ابن كثير : اي خيلوا إلى الابصار ان ما فعلوه له حقيقة في الخارج ولم يكن الا مجرد صنعة وخيال . ثم ذكر عن ابن عباس « رض » انهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا « قال » فأقبلت يخيل اليه من سحرهم انها تسعى . ثم ذكر عن ابن إسحاق ان السحرة كانوا خمسة عشر الف ساحر وان الحيات التي اظهروها بخيال سحرهم كانت كأمثال الجبال قد ملأت الوادي - وعن السدي ان السحرة كانوا بضعا وثلاثين ألفا ، وعن القاسم بن أبي بزة 70 ألفا . وذكر غيره ما هو أعظم من ذلك من المبالغة والتهويل ولا يصح شيء من ذلك في خبر مرفوع وانما هي من الإسرائيليات الباطلة المروية عن اليهود كما تقدم ، على أنه ليس في توراتهم منها شيء وانما جاء في الفصل السابع من سفر الخروج منها ان فرعون دعا الحكماء والسحرة « ففعل عرافو مصر أيضا بسحرهم كذلك : طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصي ثعابين ولكن عصا هارون ابتلعت عصيهم » وقد ذكر بعض المفسرين سر صناعتهم في ذلك بما أراه استنباطا علميا لا نقلا تاريخيا . قال الامام الجصاص في احكام القرآن : قال اللّه تعالى ( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) يعني موهوا عليهم حتى ظنوا ان حبالهم وعصيهم تسعى ، وقال ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) فأخبر ان ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وانما كان تخيلا . وقد قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من أدم ( اى جلد ) محشوة زئبقا ، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا وجعلوا آزواجا ملؤها نارا فلما طرحت عليه وحمي الزئبق حركها