الشيخ محمد رشيد رضا

65

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما يكون متعذرا ، فلو لم يؤكد الضمير المتصل ههنا بالضمير المنفصل « نحن » لما أفاد معنى الرغبة في أولية الالقاء المصرح به في سورة طه ، وبذلك علم أن مراعاة الفاصلتين في الموضعين هو الذي وحد بينهما بجعل كل منهما دالا على رغبة السحرة في التقدم والأولية ، فأيّ خطيب أو كاتب يقدر على إفادة هذا المعنى بأسلوبين مختلفين في اللفظ من غير تصريح به ، واي مترجم تركي أو افرنجي يفقه هذا ويؤديه في ترجمته للقرآن ؟ * * * قالَ أَلْقُوا وفي سورة طه ( قالَ بَلْ أَلْقُوا ) وهو أدل على رغبته عليه السّلام في سبقهم للالقاء . ولعله نطق أولا بما فيه الاضراب فقال بل ألقوا أنتم من دوني ثم أعاد كلمة ألقوا وحدها لتأكيد رغبته والايذان بعدم مبالاته . وفي سورتي يونس والشعراء ( قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) * فأظهر اسم موسى الذي أضمره هنا وفي سورة طه لأنه جواب لخطابهم إياه باسمه بالتخيير ، فالمقام فيها مقام الاضمار حتما . واما اظهاره في سورتي يونس والشعراء فسببه انه ليس فيهما ذكر لنداء السحرة إياه وتخييرهم له فأول آية يونس ( فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ) وقبلها طلب فرعون للسحرة فلو لم يصرح باسم موسى لكان المتبادر ان الذي امرهم بالالقاء هو فرعون حسب قاعدة عود الضمير إلى أقرب مذكور ، وكذلك آية الشعراء جاءت بعد ذكر طلب فرعون للسحرة ومجيئهم وسؤالهم إياه الاجر إن كانوا هم الغالبين واجابته إياهم ، فهي أولى من آية يونس بما ذكر . واما زيادة ( ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) فإنها فائدة نافلة ذات شأن تدل على عدم مبالاته بما يلقون مهما عظم امره وكان مجهولا عنده ، وهي لا تنافي عدم ذكرها في آية الأعراف فيجمع بينهما وقد قيل كيف أمرهم موسى عليه السّلام بالقاء ما عندهم وهو من السحر المنكر ؟ وأجيب بأنه لم يأمر بفعل السحر ابتداء وانما أمر بأن يتقدموه فيما جاؤوا لأجله ولا بدّ لهم منه ، وأراد التوسل به إلى إظهار بطلان السحر لا اثباته ، وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه ، ولم يكن ثم وسيلة لابطاله الا ذلك ، وقد صرح به فيما حكاه تعالى عنه في سورة يونس قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ومثله توسل إبراهيم صلّى اللّه عليه وعلى نبينا وآلهما إلى اظهار حقيقة التوحيد لعبدة الكواكب من