الشيخ محمد رشيد رضا
64
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الجملة المقدرة التي دل عليها حرف الايجاب « نعم » وهي « ان لكم لاجرا » فما عطف عليها الا وقد قدر اعادتها . وفي سورة الشعراء زيادة « إذن » أي وانكم في هذه الحالة وهي كونكم أنتم الغالبين دون موسى لمن المقربين وحذفها من هذه السورة دليل على أنه قالها مرة دون أخرى فأفاد أنه كرر لهم الإجابة والوعد وذلك تأكيد آخر * * * قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ استئناف بياني كنظائره أي قال السحرة لموسى عليه السّلام بعد أن وعدهم فرعون ما وعدهم : إما أن تلقي ما عندك أولا ، واما أن نكون نحن الملقين لما عندنا من دونك . اما تخييرهم إياه فلثقتهم بأنفسهم ، واعتدادهم بسحرهم ، أو إرهابا له ، واظهارا لعدم المبالاة به ، مع العلم بأن المتأخر يكون ابصر بما تقتضيه الحال بعد وقوفه على منتهى شوط خصمه ، وما قيل من أن علة التخيير مراعاة الأدب لا وجه له البتة ، بل مقامهم بحضرة ملكهم الذي يدعي الألوهية والربوبية فيهم وما طلبوه منه وما وعدهم إياه - كله يقتضي ان يحتقر واخصمه لا ان يتأدبوا معه كما يتأدب أهل الصناعة الواحدة بعضهم مع بعض إذا تلاقوا للمباراة وهو ما وجه الزمخشري به التعليل ، وما قاله البيضاوي وغيره من أن علته إظهار التجلد فضعيف إذ لم يروا من موسى شيئا بأعينهم يقتضيه وانما سمعوا انه القى عصاه بحضرة فرعون فصارت ثعبانا فاستعدوا لمقابلته بعصي وحبال كثيرة يخيل اليه وإلى كل ناظر انها ثعابين تسعى فيبطلون سحره بسحره مثله كما قال ملكهم ( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ) وذهب الزمخشري ومن تبعه إلى أن هذا التعبير عن إلقائهم يدل على رغبتهم في البدء بما ينبئ عنه تغييرهم للنظم بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل « نحن » وتوكيد الضمير المستتر به . وفي سورة طه ( إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ) وفيه من التوكيد ما يدل على الرغبة في الأولية التي صرحوا بذكرها هنا . فلا فرق بين التعبيرين في المعنى فلا بأس حينئذ بجعل الاختلاف اللفظي في الحكاية عنهم لمراعاة الفواصل ، وقد اختلف فيه على أقوال ثالثها وهو الصحيح المعتمد انه جائز وواقع فيما لا يخل بأداء المعنى ، ولا ينافي البلاغة العليا ، فكيف إذا كان مزيد تفنن قد يصل إلى حد الاعجاز فيها ، وذلك ان تأدية دقائق المعاني مكررة بألفاظ مختلفة في منتهى العسر وكثيرا