الشيخ محمد رشيد رضا
4
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهل انا الامن غزيّة ان غوت * غويت وان ترشد غزية ارشد وملة الرسل عليهم السّلام ليست كذلك بل هي دين مالك للنفس ، حاكم على الوجدان والعقل ، يقصد به الكمال البشري الاعلى بمعرفة اللّه تعالى والقرب منه ، وما يتبع ذلك من صلاح الدنيا وسعادة الآخرة ، فان تمكن صاحبه من إقامته في وطنه واصلاح أهله به فهم أحق به بدءا ودواما ، وان منع فيه حريته ففتن في دينه كان تركه واجبا ، فإن لم يخرج منه شعيب ومن آمن معه إخراجا وهم كارهون كما اخرج خاتم النبيين مع السابقين الأولين إلى الاسلام ، خرجوا مهاجرين كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ( 29 : 25 وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وقد أوجب اللّه تعالى الهجرة على من يستضعف في ارض وطنه فيمنع من إقامة دينه فيها ، ويوجب المتعصبون للاوطان في هذا العصر الهجرة منها إذا منعوا حريتهم الشخصية فيما هو دون الدين والوجدان ، بل يعز على بعضهم ان يقيم في وطنه إذا منع فيه حرية الفسق والآثام ، وربّ أناس عز عليهم ترك وطنهم ، فآثروا البقاء فيه مفتونين في دينهم ، فأظهروا الكفر ليأمنوا على حياتهم ، وظلوا يسرون المحافظة على الاسلام في خاصة أنفسهم ، ولكنهم لم يتمكنوا من تلقينه لأولادهم وتربيتهم عليه فارتدت ذريتهم عنه في زمنهم أو من بعدهم ، كما وقع لبعض مسلمي الأندلس بعد ثل الاسبانيين لعرش دولتهم العربية وإكراههم على التنصر أو الخروج من البلاد فخرج بعض وبقي آخرون تحت وعيد قوله تعالى ( 4 : 96 إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - قالُوا : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ) وقد قدر بعض المفسرين الفعل المحذوف من الجملة ومتعلق الكراهة هكذا : قال أتخرجوننا من وطننا بغير ذنب يقتضي الاخراج ولو كنا كارهين لمفارقته حريصين على الإقامة فيه ؟ وهو تخصيص لا وجه له ، فاللفظ يقتضي تقدير كراهة كل من الامرين لحذف متعلق الكراهة والمقام يجوز تخصيصه بالعود في ملتهم لأنه الأهم عند الأنبياء ، والمناسب لبقية جوابه عليه السّلام : * * * قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها