الشيخ محمد رشيد رضا
52
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يرى المرئيّ في الماء منكسرا أو معوجا ، وكما يرى الخاتم إذا قربته من عينك في سعة حلقة السوار . ونظائر ذلك كثيرة من الأشياء التي تتخيل على غير حقائقها فيعرفها عامة الناس « ومنها ما يلطف فلا يعرفه الا من تعاطاه وتأمله كخيط السحارة الذي يخرج مرة أحمر ومرة أصفر ومرة أسود . ومن لطيف ذلك ودقيقه ما يفعله المشعوذون من جهة الحركات واظهار التخيلات التي تخرج على غير حقائقها حتى يريك عصفورا معه أنه قد ذبحه ثم يريكه وقد طار بعد ذبحه وإبانة رأسه وذلك لخفة حركته ، والمذبوح غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان قد خبأ أحدهما وأظهر الآخر ويخبأ لخفة الحركة المدبوح ويظهر الذي نظيره ، ويظهر انه قد ذبح انسانا ، وأنه قد بلع سيفا معه وأدخله في جوفه ، وليس لشيء منه حقيقة « ومن نحو ذلك ما يفعله أصحاب الحركات للصور المعمولة من صفر « 1 » أو غيره فيري فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر وينصرف بحيل قد أعدت لذلك ، وكفارس من صفر « 1 » على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد ولا يتقدم اليه . « وقد ذكر الكلبي ان رجلا من الجند خرج ببعض نواحي الشام متصيدا ومعه كلب له وغلام فرأى ثعلبا فأغرى به الكلب ، فدخل الثعلب ثقبا في تل هناك ودخل الكلب خلفه فلم يخرج فأمر الغلام أن يدخل فدخل وانتظره صاحبه فلم يخرج فوقف متهيئا للدخول ، فمر به رجل فأخبره بشأن الثعلب والكلب والغلام وان واحدا منهم لم يخرج وانه متأهب للدخول ، فأخذ الرجل بيده فأدخله إلى هناك فمضيا إلى سرب طويل حتى أفضى بهما إلى بيت قد فتح له ضوء من موضع ينزل اليه بمرقاتين فوقف به على المرقاة الأولى حتى أضاء البيت حينا ثم قال له : انظر ، فنظر فإذا الكلب والرجل والثعلب قتلى ، وإذا في صدر البيت رجل واقف مقنع في الحديد وفي يده سيف فقال له الرجل : أترى هذا لو دخل اليه
--> ( 1 ) الصفر بضم الصاد وسكون القاف النحاس