الشيخ محمد رشيد رضا

49

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من منتحليه ، والغرض الذي يجري اليه مدعوه ، فنقول : وباللّه التوفيق إن ذلك ينقسم إلى انحاء مختلفة . « ( فمنها سحر أهل بابل ) الذين ذكرهم اللّه تعالى في قوله ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ) وكانوا قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة . ويعتقدون ان حوادث العالم كلها من أفعالها ، وهم معطلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم ، وهم الذين بعث اللّه تعالى إليهم إبراهيم خليله صلوات اللّه عليه فدعاهم إلى اللّه تعالى وحاجهم بالحجاج الذي بهرهم به وأقام عليهم به الحجة من حيث لم يمكنهم دفعه ، ثم ألقوه في النار فجعلها اللّه بردا وسلاما . ثم أمره اللّه تعالى بالهجرة إلى الشام . وكان أهل بابل وإقليم العراق والشام ومصر والروم على هذه المقالة إلى أيام بيوراسب الذي تسميه العرب الضحاك . وان افريدون وكان من أهل دنباوند استجاش عليه بلاده وكاتب سائر من يطيعه وله قصص طويلة حتى أزال ملكه وأسره . وجهال العامة والنساء عندنا يزعمون أن افريدون حبس بيوراسب في جبل دنباوند العالي على الجبال وانه حي هناك مقيد ، وان السحرة يأتونه هناك فيأخذون عنه السحر ، وانه سيخرج فيغلب على الأرض وانه هو الدجال الذي أخبر به النبي عليه السّلام وحذرناه ، وأحسبهم أخذوا ذلك عن المجوس . وصارت مملكة إقليم بابل للفرس ، فانتقل بعض ملوكهم إليها في بعض الأزمان فاستوطتوها ، ولم يكونوا عبدة أوثان ، بل كانوا موحدين مقرين باللّه وحده ، الا أنهم مع ذلك يعظمون العناصر الأربعة الماء والنار والأرض والهواء لما فيها من منافع الخلق ، وان بها قوام الحيوان ، وانما حدثت المجوسية فيهم بعد ذلك في زمان كشتاسب حين دعاه زرادشت فاستجاب له على شرائط يطول شرحها ، وانما غرضنا في هذا الموضع الإبانة عما كانت عليه سحرة بابل . ولما ظهرت الفرس على هذا الإقليم كانت تتدين بقتل السحرة وابادتها ولم يزل ذلك فيهم ومن دينهم بعد حدوث المجوسية فيهم وقبله إلى أن زال عنهم الملك . « وكانت علوم أهل بابل قبل ظهور الفرس عليهم الحيل والنيرنجيات وأحكام النجوم ،