الشيخ محمد رشيد رضا
48
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« إن أهل اللغة يذكرون أن أصله في اللغة لما لطف وخفي سببه والسحر عندهم بالفتح هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه ، قال لبيد : أرانا موضعين لامر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب « قيل فيه وجهان : نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع - والآخر نغذى . وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء . وقال آخر : فان تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر « وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ، ويحتمل أيضا انه أراد بالمسحر انه ذو سحر . والسحر الرئة وما يتعلق بالحلقوم ، وهذا يرجع إلى معنى الخفاء أيضا . ومنه قول عائشة : توفي رسول اللّه ( ص ) بين سحري ونحري . وقوله تعالى ( إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) * يعني من المخلوق الذي يطعم ويسقى . ويدل عليه قوله تعالى ( وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) وكقوله تعالى ( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا . وانما يذكر السحر في مثل هذه المواضع لضعف هذه الأجساد ولطافتها ورقتها ، وبها مع ذلك قوام الانسان - فمن كان بهذه الصفة فهو ضعيف محتاج - وهذا هو معنى السحر في اللغة ثم نقل هذا الاسم إلى كل أمر خفي سببه وتخيل على غير حقيقته ، ويجري مجرى التمويه والخداع . ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله . وقد أجرى مقيدا فيما يمتدح ويحمد كما روي « ان من البيان لسحرا » ( وههنا ذكر الجصاص روايته لهذا الحديث وهو في الصحيح وأطال الكلام عليه في زهاء ورقة كبيرة ذكر في أثنائه سحر سحرة موسى لاعين الناس وتخييلهم ان حبالهم وعصيهم تسعى ولم تكن تسعى ، وذكر ما قيل من حيلتهم في ذلك بوضع الزئبق فيها وتحريك النار الخفية للزئبق فكان سبب حركتها ، وسيأتي نقل ذلك عنه قريبا . ثم ذكر قصة تاريخية في أصل السحر ببابل وقفى عليها ببيان أنواعه فقال ) كلام الجصاص في السحر وأنواعه « وإذ قد بينا أصل السحر في اللغة وحكمه عند الاطلاق والتقييد فلنقل في معناه في التعارف والضّروب الذي يشتمل عليها هذا الاسم وما يقصد به كل فريق