الشيخ محمد رشيد رضا
3
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن آبائنا ، فتكون ملة لكم ومحيطة بكم معنا . ضمن العود معنى الظرفية وهو يتعدى باللام وإلى وفي ومنه ( 17 : 69 أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى ) يعني البحر إذ الخطاب قبله لمن مسهم الضر فيه وليس فيه من معنى الظرفية ما في قوله ( 20 : 54 مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ ) يعني الأرض . والمعنى نقسم ليكونن أحد هذين الامرين : إخراجكم أو عودتكم في الملة . فاختاروا لأنفسكم ، قيل إن التعبير بالعود يقتضي انهم كانوا على ملتهم ثم خرجوا منها وهو يصدق بالمجموع فلا ينافي القول بعصمة الأنبياء من الكفر حتى قبل النبوة ، على أن شعيبا عليه السّلام لم يكن قبل النبوة على ملة أخرى غير ملة قومه فيمنعهم ذلك من التعبير في شأنه بالعودة ، وكونه لم يشاركهم في شركهم ولا في بخس الناس أشياءهم وهضم حقوقهم امر سلبي لا يلتفت اليه جمهورهم ، ولا يعدونه به خارجا عنهم ، وقال الراغب : العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إما انصرافا بالذات أو بالقول والعزيمة اه ومنه ذمه والدعوة إلى غيره ولا يقتضي هذا المعنى سبق الكون فيه ولا عدمه ، فلا حاجة إذن إلى تصحيح التعبير بما قيل من تفسير العود بالمصير ، وفيه من التكلف ما ليس في القول بالتغليب ، ولا سيما في جوابه عليه السّلام قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ؟ يعني العود في ملتكم على كل حال من الأحوال حتى حال الكراهة لها الناشئة عن اعتقاد بطلانها وقبحها وما يترتب عليها من الفساد في الدنيا والعذاب في الآخرة ؟ فالاستفهام للانكار و « لو » للغاية ، أو أتأمروننا ان نعود فيها وتهددوننا بالنفي من وطننا والاخراج من ديارنا إن لم نفعل ولو كنا كارهين لكل من الامرين ؟ - على الأصل فيما يحذف متعلقه ، وهو ان يتناول كل ما يصلح له ، فالاستفهام للتعجب من صنيعهم واستنكار طلبهم ورفضه بدون مبالاة ، ووجه كل من الانكار والتعجب جهل هؤلاء الملأ بكنه الدين والملة ، وكونه عقيدة يدان اللّه بها ، وأعمالا يتقرب اليه بأدائها وان كان غنيا عنها ، وانما شرعها لتكمل الفطرة البشرية بالتزامها - وجهلهم بكون حب الوطن ، وإلف السكن ، لا يبلغ هذه المنزلة ، ولجهلهم هذا ظنوا ان شعيبا عليه السّلام قد يؤثر هو ومن آمن معه التمتع بالإقامة في وطنه ومجاراة أهله في كفرهم ورذائلهم على مرضاة اللّه تعالى بالتوحيد المطهر للنفس من أدران الخرافات ، وبالفضائل المرقية للنفس في معارج الكمال ، ذلك بأن الملة عند أولئك الملأ الخاسرين رابطة تقليدية ، وعصبية قومية ، يجري أصحابها فيها على قول الشاعر :