الشيخ محمد رشيد رضا

488

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( نظرة في أشراط الساعة وتقاسيمها ومشكلاتها ) أعلم أيها المسلم الذي يحب أن يكون على بصيرة من دينه ان في روايات الفتن واشراط الساعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه ولو إجمالا حتى لا تكون مقلدا لمن يظنون أن كل ما يعتمده أصحاب النقل حق ، ولا لمن يظنون أن كل ما يقوله أصحاب النظريات العقلية حق ، فان اللّه تعالى يقول ( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) الآية ، وقال لخاتم رسله صلّى اللّه عليه وسلّم ( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) وانني أبين فيه ما يطمئن به قلب القانع بالاجمال ، ويفتح باب التحقيق لطالب التفصيل ، فأقول : ان العلماء جعلوا ما روي من اشراط الساعة وأماراتها ثلاثة أقسام : ما وقع بالفعل منذ قرون خلت إلى زمن كل من تكلم في ذلك منهم وقد عدوه عدا ، - وما وقع بعضه وهو لا يزال في ازدياد كالفتن والفسوق وكثرة الزنا وكثرة الدجالين وكثرة النساء وتشبههن بالرجال والكفر والشرك حتى في بلاد العرب . وما سيقع بين يدي الساعة من العلامات الصغرى والكبرى - ومن الأولى قتال اليهود وفتح بيت المقدس والقسطنطينية وتنقسم باعتبار آخر إلى ما عهد ويعهد مثله في كل الأمم من الفتن والقتال وسعة الدنيا وضيقها ، وقيام الدول وسقوطها ، والفسق من زنا ولواط وسكر ، الخ والأوبئة والزلازل ، وهذا لا يشعر جماهير الناس بأن له علاقة ما بقيام الساعة الكبرى ، وإلى ما هو غريب غير مألوف كظهور يأجوج ومأجوج والدجال والمهدي والمسيح وطلوع الشمس من مغربها ، وأما الزلازل والخسوف وظهور النجوم ذوات الأذناب أو الأذيال ، فقد صارت من الأمور المعتادة المعروفة بين الناس وباعتبار ثالث إلى ما هو علامة على قيام ساعة الجيل أو الدولة كذهاب الأمانة وتوسيد الأمر إلى غير أهله ، وما هو آية على قرب الساعة العامة الكبرى ، ويرد من الاشكال على ما ذكر أن ما ورد من الاشراط الصغرى المعتاد مثلها التي تقع عادة بالتدريج لا يذكر بقيام الساعة ولا تحصل به الفائدة التي من أجلها