الشيخ محمد رشيد رضا
489
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أخبر الشارع بقرب قيام الساعة - وأن ما ورد من الاشراط الكبرى الخارقة للعادة يضع العالم به في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها كلها فهو مانع من حصول تلك الفائدة ، فالمسلمون المنتظرون لها يعلمون أن لها اشراطا تقع بالتدريج فهم آمنون من مجيئها بغتة في كل زمن ، وانما ينتظرون قبلها ظهور الدجال والمهدي والمسيح عليه السّلام ويأجوج ومأجوج ، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية ، ولا استعدادا لذلك اليوم أو لتلك الساعة ، فما فائدة العلم به إذا ؟ وهل من الحكمة أن تكون فائدتها محصورة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات الكبرى ولا سيما آخر آية منها ؟ وكيف يتفق هذا وما ورد من كون كل رسول كان يخوف قومه وينذرهم الساعة والدجال قبلها ؟ وكيف وقع هذا منهم ولم يصدقه الواقع ومثله لا يكون بمحض الرأي ؟ وهل كان نبينا ( ص ) يريد بالإخبار بها تأمين الناس من قيام الساعة مدة قرون كثيرة إلى أن تظهر هذه الاشراط ؟ أم كان يتوقع ظهورها بعده في قرنه أو فيما يقرب منه كغيره من الرسل بدليل ما ورد من تجويزه ظهور الدجال في زمنه ، وتصديقه ما حكاه تميم الداري من خبر الجساسة وكون الدجال محبوسا في جزيرة ؟ الاشكال والاشتباه في روايات الدجال قد تقدم ما قاله ابن الجوزي من كونه ( ص ) كان يقدر في هذه المسائل تقديرا ، إذ لم يوح اللّه تعالى اليه أخبارها تفصيلا ، وعد من ذلك ما ورد في احتمال ظهور الدجال في زمنه وقال النووي في شرح أحاديث ابن صياد من صحيح مسلم : قال العلماء وقصته مشكلة وأمره مشتبه . . . وظاهر الأحاديث أن النبي عليه السّلام لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره ، وانما أوحى إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة ، فلذلك كان النبي عليه السّلام لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر « إن يكن هو فلن تستطيع قتله » اه ولا بأس ببيان ما أشار اليه النووي من الاشكال والاشتباه بشيء من التفصيل ان أحاديث الدجال مشكلة من وجوه ( أحدها ) ما ذكرناه آنفا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتة