الشيخ محمد رشيد رضا
47
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولعلمائنا كلام كثير في السحر بعضه صحيح وبعضه أوهام واننا ننقل هنا كلام بعض كبار محققي المفسرين فيه . ومن أخصره وأفيده قول ابن فارس : هو اخراج الباطل في صورة الحق . وقال الراغب الاصفهاني في مفرداته لغريب القرآن ما نصه : تعريف السحر ومأخذه من اللغة السحر « 1 » طرف الحلقوم والرئة وقيل انتفخ سحره وبعير سحر عظيم السحر والسحارة ( بالضم ) ما ينزع من السحر عند الذبح فيرمى به وجعل بناؤه بناء النفاية والسقاطة وقيل منه اشتق السحر وهو إصابة السحر . والسحر يقال على معان ( الأول ) خداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الابصار عما يفعله لخفة يد وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للاسماع وعلى ذلك قوله تعالى ( سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ) وقال ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ ) وبهذا النظر سموا موسى عليه السّلام ساحرا فقالوا ( يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ ) ( والثاني ) استجلاب معاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم كقوله تعالى ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) وعلى ذلك قوله تعالى ( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) ( والثالث ) ما يذهب اليه الاغتام وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع فيجعل الانسان حمارا ولا حقيقة لذلك عند المحصلين . وقد تصور من السحر تارة حسنه فقيل « ان من البيان لسحرا » وتارة دقة فعله حتى قالت الأطباء الطبيعة ساحرة وسموا الغذاء سحرا من حيث إنه يدق ويلطف تأثيره . اه وقد عقد الشيخ أبو بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص من أئمة الحنفية في القرن الرابع بابا خاصا من تفسيره الجليل ( أحكام القرآن ) لبيان معنى السحر وحكم الساحر عند كلامه على قوله تعالى ( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) قال في أوله « الواجب ان نقدم القول في السحر لخفائه على كثير من أهل العلم فضلا عن العامة ثم نعقبه بالكلام في حكمه في مقتضى الآية في المعاني والاحكام فنقول
--> ( 1 ) ذكره بالفتح وفيه ثلاث لغات باوزان فلس وسبب وقفل