الشيخ محمد رشيد رضا
487
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ربّ المال من يقبل صدقته « 8 » وحتى يتطاول الناس في البنيان « 9 » وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه « 10 » وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين ( لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً ) « 11 » ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولنقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطمعها » وتقدم تفسير هذه الجمل الأخيرة وفي الأحاديث اشراط وأمارات أخرى بعضها صار عاديا وبعضها غريب ويقول علماؤنا ان منه ما وقع ، وباقيه يتوقع ، وفيها تعارض وتناقض ومشكلات حار العلماء في الجمع بينها وانني أتكلم عنه كلاما إجماليا عاما ، وأبسط الكلام في أهمها بسطا خاصا ، ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي ، فألق له السمع ووجه اليه النظر ، فهو يجلي العبرة لمن اعتبر .
--> ( 8 ) كثرة المال فسرت بما حدث للمسلمين من الثروة في الفتوحات من عهد الصحابة ويصح تخصيص كثرته بهم إذا كان المراد بالساعة ساعتهم فان كثرة المال كانت سببا للترف الذي كان سببا لزوال ملكهم كغيرهم . وإذا أريد بالساعة العامة فيمكن أن يكون المراد ما نرى مقدماته من كثرة الثروة العامة في العالم ( 9 ) التطاول في البنيان تقدم ذكره في حديث جبريل وهو مما حصل منذ قرون كثيرة ويقال فيه ما قلناه فيما قبله ، وقد وصل التطاول فيه الآن إلى أن صارت المباني تناطح السحاب ، ولا يمكن الصعود إليها إلا بالمعارج والمصاعد الكهربائية فإذا كانت في مصر لا تزيد على بضع طبقات ففي أميركا قد صار البناء الواحد مؤلفا من عشرات من الطبقات فهذا هو التطاول الذي لم يعهد له نظير من قبل ( 10 ) تمني الموت حصل ويحصل في أوقات الضيق والبلاء من كل زمان ولا يكون من اشراط الساعة العامة الا إذا صار عاما فهو بهذا المعنى من الاشراط المستقبلة ( 11 ) طلوع الشمس من مغربها هو أعظم الاشراط الكبرى بين يدي الساعة وقد تقدم تفصيل القول فيه في تفسير الآية 159 من أواخر سورة الأنعام فيراجع