الشيخ محمد رشيد رضا
46
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولو شاء علماء الطبيعة والكيمياء في هذا العصر أن يجعلوا أنفسهم سحرة في بلاد أواسط إفريقية الهمجية وأمثالها من البلاد الجاهلة التي يروج فيها السحر العتيق لاروهم من عجائب الكهرباء وغيرها ما يخضعونهم به لعبادتهم لو ادعوا الألوهية فيهم ، دع دعوى النبوة أو الولاية . وقد اجتمع السحرة في بعض هذه البلاد على بعض السياح الغربيين ليرهبوهم بسحرهم وكانوا في مكان بارد والفصل شتاء فأخذ بعض هؤلاء السياح قطعة من الجليد وجعلها بشكل عدسي بقدر ما يرى من قرص الشمس وقال لهم انني أعلم منكم بالسحر وانني أقدر به أن أجعل في يدي شمسا كشمس السماء ثم وجه عدسيته إلى الشمس عند بزوغها واكتمال ضوئها فصارت بانعكاس النور فيها كالشمس لم يستطع السحرة أن يثبتوا نظرهم إليها فخضعوا له ولمن معه وكفوا شرهم عنهم خوفا منهم ( النوع الثاني ) الشعوذة التي مدار البراعة فيها على خفة اليدين في اخفاء بعض الأشياء واظهار بعض ، وإراءة بعضها بغير صورها ، وغير ذلك مما هو معروف في هذه البلاد وغيرها من بلاد الحضارة بكثرة المكتسبين بها من الوطنيين والغرباء . ولم يبق أحد في هذه البلاد يسميها سحرا ( النوع الثالث ) ما مداره على تأثير الأنفس ذوات الإرادة القوية في الأنفس الضعيفة ذات الأمزجة العصبية القابلة للأوهام والانفعالات التي تسمى في عرف علماء هذا العصر بالهستيرية ، وهذا النوع هو الذي قيل إن أصحابه يستعينون على أعمالهم بأرواح الشياطين ، ومنهم الذين يكتبون الاوفاق والطلسمات للحب والبغض وغير ذلك . ومن يقول إن للحروف خواص وتأثيرات ذاتية يخرج عمل الاوفاق والنشرات وما في معناها من السحر . ومن هذا النوع ما استحدث في هذا العصر من التنويم المغناطيسي واخباره مشهورة ومما سبق لنا بيانه في هذا الباب تخطئة من قال من المتكلمين ان السحر من خوارق العادات الذي هو الجنس الجامع لمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء ، وفاتهم أن السحر صناعة تتلقى بالتعليم كما ثبت بنص القرآن وبالاختبار الذي لم يبق فيه خلاف بين أحد من علماء الكون في هذا العصر