الشيخ محمد رشيد رضا
470
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( فصل فيما ورد في قرب الساعة واشراطها وما قيل في عمر الدنيا ) ان ما ورد في بعض الأحاديث من قرب قيام الساعة حق مقتبس من القرآن كآية الأحزاب التي ذكرت قريبا ومثلها آية الشورى ( 42 : 17 وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) وفي معناهما قوله تعالى في سياق الرد على منكري البعث والإعادة ( 17 : 51 وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ؟ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ) وفي التعبير عن قربه بلعل وعسى ما يناسب عدم اطلاع اللّه لرسوله على وقته . ولا شك ان قرب ذلك اليوم الذي مقداره من مبدئه إلى غايته خمسون الف سنة مناسب له ، ولما تقدم من عمر الدنيا وما بقي منه - فالقرب والبعد من الأمور النسبية والمراد قربها بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا ولا يعلمه إلا اللّه تعالى وما جاء في الآثار من أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس في المسلمين حتى رووه مرفوعا ، وقد اغتر بها من لا ينظرون في نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها حتى استنبط بعضهم منها ما بقي من عمر الدنيا . وللجلال السيوطي في هذا رسالة في ذلك قد هدمها عليه الزمان ، كما هدم أمثالها من التخرصات والأوهام ، وما بث في الإسرائيليات من الكيد للاسلام . قال السيد الآلوسي في إثر تفسير الآية : « وانما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك ، فإنه أدعى إلى الطاعة ، وأزجر عن المعصية ، كما أن اخفاء الاجل الخاص للانسان كذلك . ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضا لم يبعد . وظاهر الآيات « 1 » أنه عليه الصلاة والسّلام لم يعلم وقت قيامها . نعم علم عليه الصلاة والسّلام قربها على الاجمال ، وأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم به ، فقد أخرج الترمذي وصححه عن أنس مرفوعا « بعثت أنا والساعة كهاتين » وأشار بالسبابة والوسطى « 2 » وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا أيضا « انما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس » وجاء في غير ما أثر أن عمر الدنيا سبعة
--> ( 1 ) الصواب ان نصوص الآيات قطعية في ذلك ( 2 ) الحديث رواه الشيخان أيضا وكأنه غفل عنه